وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
يردّ مكرهم عليهم أو بمجازاتهم عليه أو بمعاملة الماكرين معهم بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا .
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( 30 ) إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره . وإسناد أمثال هذا إلى اللّه إنما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
هو قول النضر بن الحارث . وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم فإنه كان قاضيهم ، أو قول الذين ائتمروا في أمره عليه السّلام وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم ، إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحدّاهم وقرّعهم بالعجز عشر سنين ، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في باب البيان .
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( 31 ) ما سطره الأولون من القصص .
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 32 ) هذا أيضا من كلام ذاك القائل أبلغ في الجحود . روي أنه لما قال النضر : إن هذا إلّا أساطير الأولين قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
« ويلك إنه كلام اللّه » فقال : ذلك . والمعنى إن كان هذا القرآن حقا منزلا فأمطر الحجارة علينا عقوبة على إنكاره ، أو ائتنا بعذاب أليم سواه . والمراد منه التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على كونه باطلا وقرىء « الحق » بالرفع على أن « هو » مبتدأ غير فصل وفائدة
شرح
أخبار رستم وأسفنديار وأحاديث العجم واشترى أحاديث كليلة ودمنة وكان يمر باليهود والنصارى فيراهم يقرأون التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون . فجاء مكة فوجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي فيقرأ القرآن وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين أي ما سطروه في كتبهم من أخبار الأمم الماضية وأسمائهم ، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قصص الأولين . والأساطير جمع أسطورة وهي المكتوبة .
قوله : ( أبلغ في الجحود ) لأنه حزم بأن القرآن ليس بحق ثم فرض أنه حق وعلق العذاب به وكأنه فرض محالا . ومعلوم أن المعلق على المحال لا يقع فلما كان حقيقة أمره عليه الصلاة والسّلام بمنزلة المحال عندهم زعموا أن البلاء الذي طلبوه لا يصيبهم لأنهم شرطوا لإصابته كونه حقّا فطلبوا إمطار الحجارة عليهم إعلاما بأنهم على غاية الثقة في أن أمره عليه الصلاة والسّلام ليس بحق ، وما أجهلهم . فإن قلت : كلمة « أن » للخلو عن الجزم فكيف استعملت في صورة الجزم ؟ فنقول : إنها لعدم الجزم بوقوع الشرط ومتى جزم بعدم وقوعه عدم الجزم بوقوعه . قوله : ( وقرىء الحق بالرفع ) على أن يكون « هو » في محل الرفع على الابتداء و « الحق » خبره وتكون الجملة خبرا « لكان » . وقرأ العامة بنصب الحق على أنه خبر « كان »