تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
لأنهم سبب الوقوع في الإثم أو العقاب أو محنة من اللّه تعالى ليبلوكم فلا يحملنكم حبّهم على الخيانة كأبي لبابة .
وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
( 28 ) لمن آثر رضي اللّه عليهم وراعى حدوده فيهم فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
هداية في قلوبكم تفرّقون بها بين الحق والباطل ، أو نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ، أو مخرجا من الشبهات ، أو نجاة مما تحذرون في الدارين ، أو ظهورا يشهّر أمركم ويبثّ صينتكم من قولهم : بتّ أفعل كذا حتى سطع الفرقان أي الصبح .
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
ويسترها
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
بالتجاوز والعفو عنكم . وقيل : السيئات الصغائر والذنوب الكبائر . وقيل : المراد ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرهما اللّه تعالى لهم .
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
( 29 ) تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضّل منه وإحسان وأنه ليس مما يوجب تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاما على عمل .
شرح
قوله : ( لأنهم سبب الوقوع في الإثم أو العقاب أو محنة من اللّه تعالى ) يعني أن الفتنة قد تطلق بمعنى الآفة والبلاء وقد تطلق على معنى الابتلاء والامتحان . فاللّه تعالى جعل الأموال والأولاد فتنة بالمعنى الأول لكونها أسبابا مؤدية إلى الوقوع في الآفة التي هي ارتكاب المعصية في الدنيا أو الوقوع في عقاب العقبى . عبّر عن الأموال والأولاد بضمير العقلاء تغليبا وإن جعلها فتنة بمعنى الامتحان فوجهه كونها أسبابا لوقوع العبد في محن اللّه تعالى أنه يظهر بها من اتبع الهوى ممن آثر رضى المولى . والفرقان مصدر بمعنى الفرق أطلق على ما يكون سببا للفرق والتمييز . ولما حذّر اللّه تعالى عن الانهماك في محبة الأموال والأولاد رغب في تقوى اللّه تعالى بالاجتناب عن الكبائر والملازمة على الطاعات ، فإن من اجتنب الخيانة ولازم الطاعة جعل اللّه له ما يتميز به عن الفساق والعصاة في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فبأن يهدي قلبه وينوره بنور المعرفة واليقين فتجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ولا يصدر عنه إلا ما هو حق وصواب فهذه الهداية فرقان يفرق بها المتقي من أضداده وكذا كونه منصورا فرقان يفرق به من المبطلين بأن ينصره ويخذل المبطلين ، وبأن ينصب له براهين قاطعة يتفصى بها من الشبهات في أمر الدين ، وبأن ينجيه مما يخافه في الدنيا والآخرة ، وبأن يظهر شأنه ويعلي قدره . فهذه الأمور كما أنها فرقان يفرق بها بين المتقي وغيره فهي أيضا فرقان يفرق بها بين الحق والباطل وكذا النصر إذ يفرق به أنه على الحق والمنصور عليه على الباطل وكذا المخرج والنجاة فإنهما يفرقان بينه وبين الشبهات وما يخاف منه .