إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 184 ) موضح إنذاره يصوت بحيث لا يخفى على ناظر
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا
نظر استدلال
فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
مما يقع عليه الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدلّهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه .
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
عطف على ملكوت و « أن » مصدرية أو
شرح
حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه الكريم ويصفر لونه المليح وتعرض له حالة شبيهة بالغشي والجهال كانوا يقولون : إنه جنون فبيّن اللّه تعالى في هذه الآية أنه ليس بمجنون إنما هو نذير مبين من رب العالمين وحثهم على التفكر في أمره عليه الصلاة والسّلام ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسب إليه من الجنون . والجنة حالة من الجنون كالجلسة والركبة ودخول« مِنْ »في قوله :مِنْ جِنَّةٍيوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون فإن من كان شأنه الدعوة إلى اللّه تعالى وإقامة الدلائل القاطعة والبينات الباهرة بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها وكان حسن الخلق طيب النفس مرضي الطريقة نقي السريرة مواظبا على أعمال حسنة صار بها قدوة لعقلاء العالمين ، كيف يتصور أن يكون فيه نوع من الجنة ؟ بل هو رحمة للعالمين وسماه صاحبهم لأنه نبيهم يصحبهم ويخالطهم . وكلمة« ما »في قوله :ما بِصاحِبِهِمْيجوز أن تكون استفهامية في محل الرفع بالابتداء والخبر« بِصاحِبِهِمْ »أي أي شيء استقر بصاحبهم من الجنون وأن تكون نافية . حثهم على التفكر في شأنه ومكارم أخلافه أولا ثم ابتدأ كلاما آخر إما استفهام إنكارا ونفيا . ثم قصره على الإنذار المبين بطريق النفي والاستثناء تأكيدا لتكذيبهم . ثم وبخهم على ترك النظر فيما يدل على صدقه وصحة ما يدعوهم إليه من توحيد صانع العالم وعظم شأنه وكمال قدرته لتطمئن قلوبهم إلى التصديق بنبوة الداعي فإن النظر في أمر النبوة متفرع على النظر في دلائل التوحيد وثبوت الصانع الحكيم والملكوت بمنزلة الملك . وزيدت التاء والواو للمبالغة كالرغبوت والرهبوت والملك السلطان وتقديره ملكوتنا في السماوات والأرض ثم أشار إلى أن دليل التوحيد ليس مقصورا على السماوات والأرض بل كل ما قع عليه اسم الشيء برهان باهر على التوحيد كما قيل :وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحدفإن كل ذرة من ذرات الكائنات مع كونها مساوية لسائر الذرات في كونها جواهرا وذاتا متحيزة مخالفة لسائر الذوات في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات واختصاص كل واحدة منها بما يخصها من الصفات لا بد له من مخصص ولا بد أن تنتهي سلسلة