إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 71 ) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ
في الدين
بِرَحْمَةٍ مِنَّا
عليهم
وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي استأصلناهم
وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ
( 72 ) تعريض بمن آمن منهم وتنبي على أن الفارق بين من نجا ومن هلك هو الإيمان . روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فبعث اللّه إليهم هودا فكذبوه وازدادوا عتوا فأمسك اللّه القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدهم وكان الناس حينئذ مسلمهم ومشركهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من اللّه الفرج . فجهّزوا إليه قيل بن عنز ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان له . فلما رأى ذهولهم باللّهو عما بعثوا له أهمّه ذلك واستحيى أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم فعلم القينتين :
ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل اللّه يسقينا الغماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادا * قد أمسوا ما يبينون الكلاما
شرح
حقية عبادة المسميات وهو عليه الصلاة والسّلام إنما يذمهم ويبطل منهم هذه الدعوة فلو لا أن عبادة الأسماء متحدة مع عبادة المسميات لما توجه الذم والإبطال عليهم بأنها أسماء سميتموها فينبغي أن تكون الأسماء بمعنى الأشياء المسميات وأن الاسم عين المسمى .
واستدل به أيضا على أن اللغات توقيفية غير اصطلاحية لأنها لو كانت اصطلاحية لما توجه الذم والإبطال عليهم بتسميتهم الأصنام آلهة من غير توقيف من قبل اللّه تعالى على تلك التسمية . وضعفهما ظاهر إذ لا يخفى أن الأسماء هي الدوال والمسميات مدلولاتها وذم القوم على مجادلتهم في الأسماء لا يستلزم الاتحاد المذكور لأنه قد اشتهر في العرف أنه يقال لمن ليس فيه ما هو مدلول اسمه أنه اسم مجرد لا معنى له فمرجع الذم تسميتهم إياها بما لا يليق أن تسمى به فقوله :فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهاليس معناه مسميات اتخذتموها معبودا باختراعكم حتى يقال إطلاق الأسماء على تلك المسميات يدل على اتحادهما ولا أنكم أطلقتم هذه الأسماء على تلك المسميات من غير توقيف وتعليم من اللّه تعالى بل بمجرد اصطلاحكم حتى يستدل به على كون اللغات توقيفية . قوله : ( أي استأصلناهم ) لأن دابر الشيء آخره . فقطع دابر القوم إهلاكهم من أولهم إلى آخرهم وهو الاستئصال . قوله :
( تعريض ) إشارة إلى جواب ما يقال : ما فائدة قوله :وَما كانُوا مُؤْمِنِينَيعد بيان أنهم كذبوا بآيات اللّه يعني أن فائدته التعريض بمن آمن منهم كمرثد بن سعد ومن نجا مع هود