وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا
كما اقترحوا فقالوا : لولا أنزل علينا الملائكة فائتوا بآبائنا أو تأتي باللّه والملائكة قبيلا .
وقبلا جمع قبيل بمعنى كفيل أي كفلاء بما بشروا وأنذروا به ، أو جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات أو مصدر بمعنى مقابلة « كقبلا » ، وهو قراءة نافع وابن عامر .
وهو على الوجوه حال من « كل » وإنما جاز ذلك لعمومه .
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
لما سبق إليهم القضاء بالكفر .
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
استثناء من أعم الأحوال أي لا يؤمنون في حال إلا حال مشيئة اللّه تعالى إيمانهم . وقيل : منقطع وهو حجة واضحة على المعتزلة .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
( 111 ) أنهم أتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يشعرون ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم
شرح
شاء لآمنوا ومن علم اللّه منه اختيار الكفر والإصرار عليه شاء له ذلك ، ومن علم منه اختبار الإيمان شاء له ذلك إلى هنا كلامه . قوله : ( وقبلا ) أي بضم القاف والباء وهي قراءة من عدا نافعا وابن عمر فإنهما قرأ « أقبلا » بكسر القاف وفتح الباء . وذكر لقراءة الجمهور ثلاثة أوجه :
الأول أن يكون جمع قبيل بمعنى الكفيل يقال : قبل به يقبل ويقبل من بابي نصر وضرب قبالة أي كفالة ، فإن فعيلا يجمع على فعل كرغيف ورغف ونصيب ونصب وقضيب وقضب ، وانتصابه على أنه حال من المفعول أي وحشرناها كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا وبصدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في جميع ما أخبر به كما قالوا : أو تأتي باللّه والملائكة قبيلا يضمنون ذلك .
والثاني أن يكون جمع قبيل بمعنى جماعة جماعة أو صنفا صنفا والمعنى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا أي فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر المخلوقات . والثالث أن يكون مصدرا كقبلا بمعنى المقابلة والمواجهة والمعاينة يقال : لقيت فلانا قبلا وقبلا ومقابلة أي مواجهة ومعاينة .
قوله : ( وإنما جاز ذلك ) مع أن حق ما وقع حالا من النكرة أن يتقدم عليها لعمومه وإضافته . قوله : ( وقيل منقطع ) فإن المعتزلة فسروا الآية الكريمة بأن قالوا : لو أننا أظهرنا تلك الآية العجيبة لهؤلاء الكفار ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار إلا أن يشاء اللّه إيمانهم مشيئة إكراه وقسر ، فإن الإيمان الحاصل بالإلجاء والقسر ليس من جنس الإيمان الاختياري فيكون الاستثناء منقطعا . وإنما جنحوا إلى هذا التأويل لأنهم لما ذهبوا إلى أن اللّه تعالى شاء من الكل الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار كانت هذه الآية مناقضة لمذهبهم لأنه تعالى قال إنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء اللّه إيمانهم فلما لم يؤمنوا دل ذلك على أن اللّه تعالى ما شاء إيمانهم ، وهو مذهب أهل السنة ، فاضطروا إلى أن قالوا : المراد بالمشيئة مشيئة الإكراه والقسر فعدم إيمانهم لا يستلزم إلا عدم المشيئة القسرية وهو لا يستلزم عدم المشيئة مطلقا . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون متعلق جهلهم أمرا مخصوصا جاز أن ينفرد بعلمه من