يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ
بالتحريف وإبراز الباطل في صورته أو بالتقصير في التمييز بينهما . وقرىء تلبّسون بالتشديد وتلبسون بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل كقوله عليه السّلام : « كلابس ثوبي زور » .
وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ
نبوة محمد ، عليه السّلام ونعته
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 71 ) عالمين بما تكتمونه .
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ
أي أظهروا الإيمان بالقرآن أوّل النهار
وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 72 )
شرح
واحد من الشهادة والشهود علاقة اللزوم ، فإن الشهود ملزوم للعلم والشهادة مفرعة عليه كان قوله :تَشْهَدُونَبمعنى تعلمون مجازا . فإن الشاهد إنما يشهد عن علم والشهود يفيد العلم ويستلزمه وإليه أشار المصنف بقوله : « أو تعلمون بالمعجزات أنه حق » ويحتمل أن يكون المراد بآيات اللّه جملة المعجزات التي ظهرت منه عليه الصلاة والسّلام ويكون قوله :وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَمن الشهادة أي وأنتم تشهدون بقلوبكم وعقولكم أنها معجزات خلقها اللّه تعالى في يده عليه الصلاة والسّلام تصديقا له في دعوى نبوته وأنكم تجحدون عند العوام كونها معجزات بادعاءاتها سحر وإفك وشعر وأساطير ونحو ذلك .
قوله : ( بالتحريف ) يعني أن المراد بالحق كتاب اللّه الذي أنزله على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام وبالباطل ما حرّفوه وكتبوه بأيديهم وخلطوه بالآخر إبرازا لأباطيلهم في صورة الحق بأن يقولوا الكل من عند اللّه . قوله : ( أو بالتقصير في التمييز بينهما ) على أن يكون المعنى لم تلبسون أي تخلطون الإسلام وهو الحق بالباطل الذي هو اليهودية والنصرانية وتقولون إنها حق كالإسلام ، وأنتم تعلمون أن الدين عند اللّه الإسلام وتعلمون أيضا ما جزاء من لبس الحق بالباطل . قرأ العامة « تلبسون » بكسر الباء من لبسه يلبسه أي خلطه . وقرىء « تلبسون » بضم التاء وكسر الباء وتشديدها لتكثير اللبس . وقرىء « تلبسون » بفتح الباء أي لم تلبسون الحق ملتبسا مع الباطل يقال : لبس الثوب لبسا من باب علم ، ولبس الشيء بالشيء لبسا من باب ضرب ، أي خلطه به وشيء من الحق والباطل لا يلبس كلبس الثوب . فالمراد بلبسهما الاتصاف بهما . ونظيره في استعمال اللبس في معنى الاتصاف بالشيء قوله عليه الصلاة والسّلام : « المتشبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور » . وهذا مثل يضرب لمن يظهر من نفسه شيئا وليس كذلك . والمتشبع الذي أنه يرى شبعان وليس به . وثنّى الثوب لأن أقل ما يلبس ثوبان . وقال الفرزدق :فلا أب وابنا مثل وإن مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّراقوله : ( أول النهار ) إشارة إلى أن وجه النهار منصوب على الظرفية لكونه بمعنى أول