قالَ فَإِنَّها
فإن الأرض المقدسة
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم
أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
عامل الظرف إما محرمة فيكون التحريم موقتا غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله :
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
[ المائدة : 21 ]
شرح
أي « وقيار أيضا غريب » وخبر « إنّ » وإن كان مؤخرا لفظا لكنه مقدم تقديرا ؛ فلذلك جاز العطف على محل « إن » مع اسمها ، فإنّ تقدم الخبر شرط في مثل هذا العطف لئلا يلزم توارد عاملين على معمول واحد ، فكما يجوز العطف على المبتدأ بالرفع نحو : « زيد قائم وعمرو » فكذا يجوز العطف على محل « إنّ » بالرفع ، تقول : « إن زيدا قائم وعمرو » والمفتوحة لما كانت مع خبرها في تأويل اسم مفرد مرفوع أو مجرور أو منصوب وتغير بها معنى الجملة وكان اسمها كبعض حروف الكلمة ، لم يجز العطف على محل اسمها ويشترط في جواز العطف على محل « إن » المكسورة تقدم الخبر لفظا أو تقديرا ، خلافا للكوفيين ؛ وقد تقدم الخبر في الآية لفظا فجاز العطف على اسم « إن » بلا خلاف . واختلفت عبارة النحاة في هذا ، قال بعضهم ، ومنهم ابن الحاجب جاز العطف على محل اسم « إن » المكسورة . وقال آخرون : جاز العطف على محل « إن » مع اسمها كما قال المصنف . ولعل مبنى العبارة الأولى وهو أن محل الإعراب هو الاسم الذي تعتور عليه المعاني المختلفة وذلك الاسم هو اسم « إن » وحده ؛ لأنه هو الذي في محل الرفع على الابتداء وإن كان منصوبا لفظا بتسلط العامل عليه . ومبنى العبارة الثانية أن المرفوع على الابتداء لو كان اسم « إن » وحده لوجب أن يكون مجردا عن العوامل اللفظية ، وذلك الاسم ليس مجردا عنها فلم يصح أن يقال له إنه مرفوع المحل على الابتداء ، فيكون المرفوع على الابتداء هو « إن » مع اسمها . وأما جره فبالعطف على ياء المتكلم في نفسي ، فإنه مجرور بإضافة النفس إليه ، أي : لا أملك إلا نفسي ونفس أخي ؛ والضمير المجرور لا يعطف عليه عند البصريين إلا إن أعيد الخافض ، نحو : مررت ببكر وبزيد ؛ فلذلك قال المصنف : وجره عند الكوفيين فإنهم يجوزون العطف عليه من غير إعادة الجار . وقوله : « بيننا » ظرف لقوله : « فافرق » وكان من حقها أن لا تتكرر في المعطوف ، فإنه يقال : المال بين زيد وعمرو ، ولا يقال : وبين عمرو ؛ ولكنها كررت في الآية للاحتياج إلى إعادة الخافض في العطف على الضمير المجرور ، وهو يؤيد مذهب البصريين .
قوله : ( لا يدخلونها ) لم يقل لا يدخلوها على صورة النهي إشارة إلى أن المراد بالتحريم تحريم المنع لا تحريم التعبد والتكليف . ثم ذكر أن « أربعين سنة » فيه وجهان ، أظهرهما : أنه منصوب ب « محرّمة » ظرفا لها ، ويؤيده ما روي أنه بعد انقضاء الأربعين دخلوها ، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة ، ويكون قوله : « يتيهون » كلاما مستأنفا غير مقيد