تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
طردناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية .
وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
لا تنفعل عن الآيات والنذر . وقرأ حمزة والكسائي « قسيّة » وهي إما مبالغة قاسية أو بمعنى رديئة من قولهم : درهم قسيّ إذا كان مغشوشا . وهو أيضا من القسوة فإن المغشوش فيه يبس وصلابة . وقرىء « قسيّة » باتباع القاف للسين .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
استئناف لبيان قسوة قلوبهم ، فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام اللّه تعالى والافتراء عليه . ويجوز أن يكون حالا من مفعول « لعناهم » لا من « القلوب » إذ لا ضمير له فيه .
شرح
و « ما » في قوله تعالى :فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْصلة مؤكدة ، فإنها قد تكون زائدة كافة عن العمل كما في قولك : « إنما زيد منطلق » وغير كافة كما في قوله تعالى :فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ[ آل عمران : 159 ] وقوله :فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْوالمعنى : فبنقضهم ميثاقهم . ووجه كونها مؤكدة للكلام أنه يتمكن معنى الكلام وفحواه في النفس من جهة وجودها ، قال قتادة : إنهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الأنبياء وغيروا كتاب اللّه تعالى وضيعوا فرائضه ، وقيل : إنهم كمتواصفة محمد عليه الصلاة والسّلام ، وقيل : نقضوه بمجموع هذه الأمور . قوله : ( قاسية ) من القسوة وهي غلظة القلب وشدته ، وحجر قاس : أي صلب ، ودرهم قسي : أي زيف فضته صلبة رديئة ليست بلينة ، وجمعه قسيان مثل صبي وصبيان ؛ كذا في الصحاح . قوله : ( إما مبالغة القاسية ) يعني يجوز أن تكون « قسية » بمعنى « قاسية » إلا أن القسيّ أبلغ من القاسي كالقدير أبلغ من القادر والعليم من العالم والشهيد من الشاهد ، فيكون لفظ « قسية » لفظا عربيا مشتقّا من القسوة ، وأنث لتأويل الجماعة . وقال الفارسي : إنها ليست من ألفاظ العرب في الأصل وإن هذه كلمة معربة أعجمية ؛ يعني أنها مأخوذة من قولهم « درهم قسي » أي مغشوش ، شبهت قلوبهم في كونها غير صافية عن الكدر بالدراهم المغشوشة الغير الخالصة . إلا أن صاحب الكشاف قال : القسي مشتق من القسو ؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش منهما فيه يبس وصلابة للغش الذي يكون فيه ، فتكون هذه اللفظة عربية كالعليم والعالم . وفي الحواشي السعدية ، قول الزمخشري « وهو من القسو » إشارة إلى أنه ليس بمعرب فارسي وهو الرديء من الدراهم على ما نقل عن الأصمعي ، والمصنف رحمه اللّه تعالى اختار قول الزمخشري . وحاصل الكلام أن كل واحد من قسية وقاسية مشتق من القسو بمعنى الشدة والصلابة ، وأن القاسية الشديدة الصلبة بخلاف القسية فإنها تحتمل أن تكون بمعنى القاسية وأبلغ منها وأن تكون بمعنى الرديئة المكدرة . وقوله سبحانه وتعالى :يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَأي يغيرون صفة محمد عليه الصلاة والسّلام وآية الرجم .