والإيذان بأنه نهاية في الحسن وغاية كمال البشر . روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله : لو كان إبراهيم يريد لنفسه لفعلت ولكن يريد للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس . فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس فلما أخبروا إبراهيم ساءه الخير فغلبته عيناه فنام وقامت سارة إلى غرارة منها فأخرجت خوّارى واختبزت فاستيقظ إبراهيم عليه السّلام فاشتم رائحة الخبز فقال : من أين لكم هذا ؟ فقالت : من خليلك المصري . فقال : بل هو من عند خليلي اللّه عز وجل . فسماه اللّه خليلا .
شرح
محمد عليه الصلاة والسّلام مقبولا عند الكل وملة إبراهيم داخلة في ملتنا وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم فمن اتبع ملة الإسلام فقد اتبع ملة إبراهيم وقد اشتهر أن الملة والدين متحدان بالذات .
قوله : ( روي ) وروي أيضا في سبب كون إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ملقبا بهذا اللقب الشريف أنه هبط عليه ملك في صورة رجل وذكر اسم اللّه بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه الصلاة والسّلام : اذكره مرة أخرى فقال : لا أذكره مجانا . فقال : لك مالي كله . فذكره الملك بصوت أشجى من الأول فقال : اذكره مرة ثالثة ولك أولادي . قال الملك : أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك . فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر اللّه تعالى لا جرم اتخذه اللّه خليلا . وروي أيضا أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه ظنّ الخليل أنهم أضيافه فذبح عجلا سمينا وقربه إليهم وقال : كلوا على شرط أن تسموا اللّه في أوله وتحمدوه في آخره . فقال جبريل : أنت خليل اللّه . فنزل هذا الوصف . قال بعض النصارى : لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعتزاز والتشريف فلم لا يجوز إطلاق الابن في حق عيسى على سبيل الاعتزاز والتشريف ؟ والجواب أن كونه خليلا عبارة عن المحبة المفرطة وذلك لا يقتضي الجنسية ، وأما الابن فإنه مشعر بالجنسية وجلّ الإله عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات . ثم كونه عليه الصلاة والسّلام خليل اللّه لما أوهم الجنسية والمشابهة أزال اللّه تعالى هذا الوهم بقوله :وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ *الآية فإن من كان شأنه هذا كيف يعقل أن يجانسه أحد ويتخذ خليلا لاحتياجه إليه في شيء من الأمور كما تكون خلة الآدميين لذلك ؟ وإنما اتخذه خليلا بمحض الفضل والاحسان والكرم على حسب تعلق إرادته ومشيئته . فالجملة مستأنفة لدفع هذا الوهم الناشئ من قوله :وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًاوالمصنف أشار بقوله : « يختار منهما من يشاء وما يشاء » إلى أنها مستأنفة متصلة به بوجه آخر وهو كونه جوابا لما يقال : لم خص اللّه تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بالخلة وله عباد