وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
أخلص نفسه للّه لا يعرف لها ربا سواه . وقيل : بذل وجهه له في السجود . وفي هذا الاستفهام تنبيه على أن ذلك منتهى ما تبلغه القوة البشرية .
وَهُوَ مُحْسِنٌ
آت بالحسنات تارك للسيئات .
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
الموافقة لدين الإسلام المتفق على صحتها
حَنِيفاً
مائلا عن سائر الأديان إلى دين الإسلام وهو حال من المتبع أو من الملة أو إبراهيم
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
( 125 ) اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله وإنما أعاد ذكره ولم يضمره تفخيما لشأنه وتنصيصا على أنه الممدوح . والخلّة من الخلال فإنه ودّ تخلل النفس وخالطها . وقيل : من الخلل فإن كل واحد من الخليلين يسدّ خلل الآخر ، أو من الخلّ وهو الطريق في الرمل فإنهما يترافقان في الطريقة ، أو من الخلة بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال والجملة استئناف جيء بها للترغيب في اتباع ملته صلّى اللّه عليه وسلّم
شرح
[ فصلت : 46 ]وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[ غافر : 31 ] وتقرير الجواب أنه تعالى اقتصر على ذكر أنه لا يظلم الصالحين بنقص استغناء بذكره عن ذكر أنه لا يظلم المسيئين بازدياد عقابهم لدلالة الأول عليه ، فإن الثواب فضل والعقاب عدل وكون المجازي أرحم الراحمين إذا كان مانعا من نقص ما هو من قبيل الفضل فبالحري أن يكون مانعا من ترك العدل بازدياد العقاب . قوله : ( وفي هذا الاستفهام تنبيه على أن ذلك منتهى ما تبلغه القوة البشرية ) وذلك لأن دين الإسلام مبني على أمرين : الاعتقاد والعمل فاللّه تعالى أشار إلى الأول بقوله :أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوالوجه لكونه أحسن أعضاء الإنسان عبر به عن نفسه فكأنه قيل : ليس أحدا أحسن دينا ممن عرف ربه وأقر بربوبيته وأخلص نفسه في عبوديتها لربه بأن لا ينقاد ولا يخضع لغيره ولا يتعلق قلبه بشيء من الأشياء إلا ابتغاء لوجه ربه . وأشار إلى الثاني بقوله :وَهُوَ مُحْسِنٌأي في الانقياد لربه بأن يكون آتيا بجميع ما يكلفه به على وجه الإذلال والخشوع كما قال عليه الصلاة والسّلام : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ومن تأمل في هذه الجملة الاستفهامية على اختصارها أيقن باحتوائها على منتهى ما يبلغ إليه القوة البشرية في جميع المقاصد المتعلقة بالدين . فاللّه سبحانه لما ذكر في الآية المتقدمة أن الفوز بالجنة والسعادة الأبدية منوط بالاشتغال بالأعمال الصالحة حال كونه مؤمنا بقلبه آت على هذه الطريقة في هذه الآية وشهد بكونها في غاية الحسن والكمال ذكر أنها هي الطريقة التي كان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام عليها . وقد اتفق أهل الأديان جميعا من أهل الكتاب وغيرهم على صحة طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فإن شرع إبراهيم مقبول عند الكل ، فإن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به . وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع