انطلقوا بنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا : إن لم تفعل هلك .
وافتضح وبرئ اليهوديّ فهمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يفعل
بِما أَراكَ اللَّهُ
بما عرفك اللّه وأوحى به إليك . وليس من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل .
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ
أي لأجلهم والذبّ عنهم
خَصِيماً
( 105 ) للبراء .
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
مما هممت به
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
( 106 ) لمن يستغفره .
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
يخونونها فإن وبال خيانتهم يعود عليها
شرح
تعالى هذه الآية إرشادا لمن تلا عليهم . قوله : ( فسألوه أن يجادل ) أي يجادل اليهودي ليدفع فضيحة البهتان عن صاحبهم طعمة وقالوا له عليه الصلاة والسّلام : إن لم تفعل برئ اليهودي وهو السارق . ولم يظهر له عليه الصلاة والسّلام ما يوجب القدح في شهادتهم بناء على كون كل واحد من الشاهد والمشهود له من المسلمين ظاهرا فلذلك مال طبعه إلى نصرة الخائن والذب عنه إلا أنه لم يحكم بذلك بل توقف وانتظر الوحي ، فنزلت الآية ناهية عنه ومنبهة على أن طعمة وشهوده كاذبون وأن اليهودي بريء من ذلك الجرم . ولما صدر عنه عليه الصلاة والسّلام الميل إليهم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه أمر اللّه تعالى إياه عليه الصلاة والسّلام بأن يستغفر لهذا القدر وإن كان معذورا فيه عند اللّه بناء على أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . ويحتمل أن يكون المراد : واستغفر لأولئك الذين يريدون أن يذبوا عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته من السرقة . قوله : ( وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل ) ولم يتعد في الآية إلا إلى مفعولين : أحدهما كاف الخطاب والثاني مقدر تقديره بما أراكه اللّه وليس منقولا بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر لأن وجه الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر ولما لم يكن منقولا منها ولا من الذي يتعدى إلى مفعولين تعين أنه منقول من رأيت بمعنى الاعتقاد . وسميت المعرفة المذكورة رؤية لكونها جارية مجرى الرؤية في القوة والظهور والخلوص من وجوه الريب . وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : لا يقولن أحد قضيت بما أراني اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه عليه الصلاة والسّلام ، وأما الواحد منا فرؤيته تكون ظنا لا معرفة بل منزلة منزلة الرؤية . قوله : ( يخونونها ) يريد أن الاختيان والخيانة بمعنى يقال : خانه واختانه . والمراد بالخائنين طعمة وقومه فإنه روي أن قومه علموا أن تلك السرقة عمل طعمة بناء على أنه كان سارقا في الجاهلية لكنهم بيتوا القول ليلهم واتفقوا على أن يشهدوا بالسرقة على اليهودي دفعا عن طعمة عقوبة السرقة فلذلك وصفهم اللّه تعالى جميعا بالخيانة حيث قال :وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً[ النساء : 105 ] وقال :وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ .قوله : ( فإن وبال خيانتهم يعود عليها ) جواب عما