و « توفاهم » على المضارع من وفيت بمعنى أن اللّه يوفّي الملائكة أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة . فإنها نزلت في ناس من مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة .
قالُوا
أي الملائكة توبيخا لهم .
فِيمَ كُنْتُمْ
أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم .
قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
اعتذروا مما وبخوا به بضعفهم وعجزهم عن الهجرة أو عن إظهار الدين وإعلاء كلمته .
قالُوا
أي الملائكة تكذيبا لهم أو تبكيتا
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
إلى قطر آخر كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة .
فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار وهو خبر « إن » والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط وقالوا : فيم كنتم حال من الملائكة بإضمار « قد » أو
شرح
كونه فعلا ماضيا قراءة « توفتهم » بتاء التأنيث فيكون إخبارا عن أحوال قوم معينين انقرضوا ومضوا . ويحتمل أن يكون مضارعا حذفت إحدى التاءين منه والأصل « تتوفاهم » وعلى هذا تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة . والظاهر أن لفظ المضارع ههنا على حكاية الحال الماضية وقصد الاستحضار بشهادة كون خبر إن فعلا ماضيا وهو « قالوا » والعائد من جملة الخبر إلى الاسم محذوف أي قالوا لهم ، فقوله :ظالِمِي أَنْفُسِهِمْبمعنى الحال والإضافة لفظية فصح وقوعه حالا معمولا للمضارع الوارد على حكاية الحال .
قال جمهور المفسرين : المراد بتوفي الملائكة إياهم قبض أرواحهم عند الموت والملك الذي فوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وله أعوان من الملائكة . وإسناد التوفي إلى اللّه تعالى في قوله :اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ[ الزمر : 42 ] وفي قوله : هو الذييُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ[ الجاثية : 26 ] مبني على أن خالق الموت هو اللّه تعالى . وضمير « أنفسهم » في قوله : « أن اللّه يوفي الملائكة أنفسهم » راجع إلى « الذين » والمرفوع في « فيتوفونها » راجع إلى « الملائكة » والمنصوب إلى « أنفسهم » . وكانوا ظالمي أنفسهم بإقامتهم في دار الشرك وترك الهجرة عنها حين كانت الهجرة واجبة ، فإنه تعالى لم يكن يقبل السّلام بإقامتهم بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسّلام إلى المدينة إلا بالهجرة إليها ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة لقوله عليه الصلاة والسّلام : « لا هجرة بعد الفتح » قال تعالى فيمن آمن وترك الهجرةوَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا[ الأنفال : 72 ] روي أن هؤلاء الذين تركوا الهجرة قعدوا بمكة إلى وقعة بدر فأخرجهم المشركون في تلك الوقعة مع أنفسهم ليقاتلوا المسلمين إما لأنهم لم يعلموا بإسلامهم أو علموا فأكرهوهم على موافقتهم . فلما خرجوا معهم ورأوا شوكة الكفار وضعف المسلمين ارتابوا فقالوا : غر هؤلاء دينهم فارتدوا وقاتلوا