تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فلا توالوهم حتى يؤمنوا وتتحقّقوا إيمانهم بهجرة هي للّه ورسوله لا لأغراض الدنيا وسبيل اللّه ما أمر بسلوكه
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن الإيمان الظاهر بالهجرة أو عن إظهار الدين
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
كسائر الكفرة
وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
( 89 ) أي جانبوهم رأسا ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة .
شرح
قيل : عليه الفعل إنما ينصب على جواب التمني إذا كان معنى التمني مستفادا من الحرف نحو : ليت . ولم يسمع من العرب النصب في جواب التمني المفهوم من لفظ الفعل .
والتمني ههنا منفهم من فعل الودادة فلا ينصب المضارع في جوابه . والجواب عنه أن المصنف لم يرد بالتمني ما هو المفهوم من فعل الودادة بل المراد به ما هو المفهوم من لفظ « لو » المشعرة بالتمني وقد جاء النصب في جوابها كما في قوله تعالى :لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ[ البقرة : 167 ] . قوله : ( فلا توالوهم حتى يؤمنوا ) المصرح به في نظم الآية أن تكون الهجرة غاية للنهي عن موالاة الكفار إلا أن الهجرة في سبيل اللّه لما لم تتحقق بدون الإيمان جعله المصنف غاية للنهي وجعل المهاجرة من دلائل الإيمان ومحققاته ولا عبرة لمجرد الهجرة بدون الإيمان . ثم إن المحققين قالوا : الهجرة في سبيل اللّه عبارة عن الهجرة عن ترك منهياته وفعل مأموراته ، والآية عامة في الهجرة عن الكل . وقيد الهجرة بكونها في سبيل اللّه لأنها ربما كانت لغرض من أغراض الدنيا فلا تكون معتبرة . والهجرة أنواع منها : الهجرة إلى المدينة لنصرة رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام في إظهار دينه ونشر شرائعه وفي الغزوات وكانت هذه الهجرة واجبة في أول الإسلام إلى أن فتحت مكة حتى قال عليه الصلاة والسّلام يوم فتح مكة : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » أي لكن الباقي من الهجرة عن الأوطان مجاهدة الكفار ونصرة الدين صابرا محتسبا من غير أن يشوب هجرتها بشيء من أغراض الدنيا . وقال عليه الصلاة والسّلام : « المهاجر من هاجر ما نهى اللّه عنه » وهاتان الهجرتان أعني الهجرة للجهاد والهجرة عن المحرمات ثابتتان الآن . والهجرة المذكورة في الآية إن أراد بها الهجرة إلى المدينة يكون مدلول الآية أن الكفار لا يكون بيننا وبينهم موالاة وإن أسلموا إلا بعد أن يهاجروا كما قال :ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا[ الأنفال : 72 ] وقال عليه الصلاة والسّلام : « أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين » وهذا الحكم قد نسخ بعد فتح مكة وإنما كان ثابتا حين كانت الهجرة واجبة مفروضة . وإن أريد بها الهجرة لأجل الجهاد أو الهجرة عن المحرمات يكون مدلول الآية الانتهاء عن موالاة الفسقة والعصاة والهجرة عنهم وعن مصاحبتهم والمكالمة معهم ليرجعوا عما هم عليه تأديبا لهم كما فعله عليه الصلاة والسّلام مع كعب وصاحبيه . قوله : ( أي جانبوهم رأسا ) المجانبة الكلية مستفادة