البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المسلمون في إسلامهم . وقيل : نزلت في المتخلفين يوم أحد أو في قوم هاجروا ثم رجعوا معتلّين باجتواء المدينة والاشتياق إلى الوطن ، أو قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة . وفئتين حال عاملها « لكم » كقولك : ما لك قائما . وفي المنافقين حال من « فئتين » أي متفرقين فيهم أو من الضمير أي فما لكم متفرقين فيهم .
ومعنى الافتراق مستفاد من فئتين .
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
ردّهم إلى حكم الكفرة أو نكسهم بأن صيّرهم للنار . وأصل الركس ردّ الشيء مقلوبا .
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
أن تجعلوه من المهتدين
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
( 88 ) إلى الهدى .
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا
تمنوا أن تكفروا ككفرهم
فَتَكُونُونَ سَواءً
فتكونون معهم سواء في الضلال وهو عطف على « تكفرون » جواب التمني لجاز
فَلا
شرح
الاستقرار الذي تعلق به « لكم » و « في المنافقين » متعلق بمعنى « فئتين » فإنه في قوة قولك :
تفترقون في أمر المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . والمعنى أي شيء كائن لكم أو مستقر لكم تفرقتم في أمر المنافقين فرقتين أو ما لكم مختلفين في أمرهم .
قوله : ( لاجتواء المدينة ) أي لكراهة هوائها يقال : اجتويت البلد أي كرهت الإقامة به لعدم كون هوائه موافقا لي . وقوله تعالى :وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْجملة اسمية منصوبة المحل على أنها حال من « المنافقين » أي والحال أنه تعالى ردهم إلى الكفر وأحكامه من الذل والصغار والسبي والقتل . والإركاس الرد والرجع ، ومنه الركس للرجيع قال عليه الصلاة والسّلام في الروثة لما أتي بها للاستنجاء « إنها ركس » قال أمية بن أبي الصلت : فأركسوا في جحيم النار ، لأنهم كانوا عصاة . وقالوا : الإفك والزور أي ردوا . يقال : ركست الشيء وأركسته لغتان إذا رددته وقلبت آخره على أوله . وقال الزجاج : تأويل أركسهم نكسهم وردهم إلى حكم الكفار بما كسبوا أي بما أظهروا من الارتداد . وقال الراغب : الركس والنكس قلب الشيء على رأسه أورد أوله على آخره والمركوس المنكوس . قوله : ( تمنوا أن تكفروا ككفرهم ) إشارة إلى أن « لو » في الآية مصدرية كلفظ « ما » في قوله :كَما كَفَرُوافتكون « لو » وما بعدها في تأويل المصدر المنصوب على أنه مفعول « ودوا » فلا جواب . والتقدير : ودوا كفركم الكائن مثل كفرهم . وقوله تعالى :سَواءًخبر « تكونون » ولم يجمع لأنه في الأصل مصدر واقع موقع اسم الفاعل بمعنى مستوين وقوله :فَتَكُونُونَ سَواءًعطف علىتَكْفُرُونَوالتقدير :
ودوا كفركم وكونكم مستوين معهم في الضلال . قوله : ( ولو نصب على جواب التمني لجاز )