فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
استعظام لما يحيق بهم في الآخرة وتكذيب لقولهم : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات . روي أن أوّل راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم اللّه تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار .
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
جزاء ما كسبت . وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلّد في النار لأن توفية إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل
شرح
والإعراض بسبب تسهيلهم المبني على أقوالهم الباطلة ، فإن تسهيل أمر العقاب وتقليل مدته سواء كان موجب العقاب كفرا أو فسقا غير الكفر يوجب التولي والعدول . روي عنهم أنهم كانوا يقولون : مدة عذابنا سبعة أيام وهي عدد أيام الدنيا . ومنهم من قال : أربعين ليلة على قدر مدة عبادة العجل . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم أربعين ليلة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم وقالوا : إنا نعذب إلى أن ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما :
أصل الجحيم سقر وفيها شجرة الزقوم ، فإذا اقتحموا جهنم تبادروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم وملؤوا بطونهم منها فيقول لهم خازن سقر : زعمتم أن النار لن تمسكم إلا أياما معدودات وقد خلت أربعون سنة وأنتم في النار ! و« ما »في قوله :ما كانُوا يَفْتَرُونَإما مصدرية أي غرهم افتراؤهم على اللّه بمثل قولهم :نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ[ المائدة : 18 ] ولا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة يسيرة وقولهم :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ[ آل عمران : 24 ] وقولهم : نحن على الحق وأنت على الباطل . وإما موصولة أي الذي كانوا يفترونه ، والافتراء اختلاق الكذب . ثم إنه تعالى لما حكى عنهم اغترارهم بالجهل بيّن أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل وذلك الغرور فقال :فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْوهو منصوب بفعل مضمر تقديره : فكيف يصنعون ؟ أو كيف يكون حالهم ؟ و « إذا جمعناهم » ظرف محض غير متضمن لمعنى الشرط والعامل فيه العامل في « كيف » . وقوله : « ليوم » متعلق « بجمعناهم » أي لقضاء يوم أو لجزاء يوم أو لحسابه . وقال الكسائي : اللام بمعنى « في » . والأول أظهر وأبلغ لأن اليوم لا فائدة فيه إلا ما يوجد فيه من الأفعال كالحساب والجزاء . و « لا ريب » فيه صفة للظرف .
قوله : ( استعظام ) يعني أن كيف سؤال عن الحال وهذا الاستفهام المقصود منه استعظام ما يلحق بهم من الحال كأنه قيل : على أي حال يكون من اغترّ بالدعاوى الباطلة إذا جمعوا ليوم الجزاء ؟ قوله : ( جزاء ما كسبت ) الاحتياج إلى التقدير إنما هو على تقدير أن يحمل ما كسبت على عمل العبد ، وأما إن حمل على الثواب والعقاب فلا حاجة إلى الحذف . قوله :
( وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط ) لأن إحباطها ينافي توفية جزائها . قال الإمام : قوله