ضربا غير مبرّح ولا شائن . والأمور الثلاثة مرتبة ينبغي أن يدرّج فيها .
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا
بالتوبيخ والإيذاء والمعنى : فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما
شرح
ذلك ولا يضربها في حالة الوعظ لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية ، فإن أصرّت على نشوزها فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه الامتناع عن كلامها . قال ابن عباس :
يهجرها بأن يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها . وقال غيره : يعتزل عنها إلى فراش آخر .
ومنهم من حمل المضاجع على البيوت التي يبتن فيها أي لا تشاركوهن في البيتوتة في بيوتهن . ومنهم من جعل الهجران في المضاجع كناية عن ترك الجماع لأن إضافة الهجران إلى المضاجع تفيد ذلك . قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : لا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث ، وإذا هجرها في المضجع وفي ضمنه السكوت عنها فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فيكون دليلا على كمال النشوز ، فعند ذلك يضربها ضربا غير مبرح وغير شائن يورثها شينا وعيبا في بدنها . واختار المصنف رحمه اللّه أن حكم هذه الآية مشروع على الترتيب فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب . قال علي رضي اللّه عنه : يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، وإن أبت هجرها في المضجع ، وإن أصرت على الإباء ضربها ، وإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين . وقيل : هذا الترتيب مرعى عند خوف النشوز ، وأما عند تحقق النشوز فلا بأس في الجمع بين الكل بأن يعظها ويهجرها ويضربها . قال الإمام الشافعي : أما الضرب فمباح وتركه أفضل . روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه رأى أبا مسعود قد رفع الصوت على غلام ليضربه به فصاح : « أبا مسعود اللّه أقدر عليك منك عليه » فرمى السوط وأعتق الغلام .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : كنا معشر قريش تملك رجالنا نساءهم فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن - أي نشزن - واجترأن ، فأتيت النبي عليه الصلاة والسّلام فقلت له : ذئرت النساء على أزواجهن فائذن في ضربهن . فطاف بحجر نساء النبي عليه الصلاة والسّلام جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن فقال عليه الصلاة والسّلام : « قد طاف الليل بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك أخياركم » معناه إن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا . فاحتج الإمام الشافعي رضي اللّه عنه بهذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب وإذا ضربها يجب أن يقتصر فيه على قدر الكفاية . ويدل عليه أنه سبحانه وتعالى ابتدأ بالوعظ ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في إيذائهن فإن حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به ولم يجز الإقدام على الطريق الأثقل .