تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
من الأمور الدنيوية كالجاه والمال فلعل عدمه خير ، والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي معربة عن عدم الرضى بما قسم اللّه له ، وأنه تشهّى لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم لأن تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر ، وتمني ما قدّر له بكسب بطالة وتضييع حظ ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال .
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا
شرح
منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل السابق والتقدير : ندخلكم فتدخلون مدخلا بنصب مدخلا على المصدرية أو المكانية . وقيل : هو مصدر على حذف الزوائد نحو : أنبتكم من الأرض نباتا على أحد القولين . قوله : ( فلعل عدمه خير ) يدل على أن الغبطة كالحسد منهي عنها كما ذهب إليه المحققون وقالوا : لا يجوز للإنسان أن يقول : اللهم أعطني دار مثل دار فلان وزوجة مثل زوجة فلان ، بل ينبغي أن يقول : اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي . وروي عن الحسن أنه قال : لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال كما كان في حق ثعلبة . وهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية :وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِوخص المنهي عنه من التمني بتمني ما لغيره من الأمور الدنيوية لأن تمني ماله من الأعمال الصالحة حسن لقوله عليه الصلاة والسّلام : « وددت أن أحيى ثم أقتل » ، فإنه تمني مثل ما كان للشهداء من الشهادة وثوابها . ولقوله عليه الصلاة والسّلام : « لا جسد إلا في اثنين رجل آتاه اللّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه اللّه مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار » . فقوله : « لا حسد » أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين . فعلى هذا تقدير الآية : لا تتمنوا مثل ما فضل اللّه به غيركم لأن تمني عين ما فضل اللّه به غيرك ليس ذريعة إلى الحسد بل هو الحسد بعينه لأن من طلب عين ما حصل لغيره من الفضل الإلهي فهو طالب لزواله عن ذلك الغير إذ لا يمكن حصوله له إلا بعد الزوال عن الغير وتمني ما للغير قدر مشترك بين الحسد والغبطة . والمصنف رحمه اللّه حمله على الغبطة لأن النهي عنها يستلزم النهي عن الحسد من غير عكس ، والفرق بينهما أن الإنسان إذا شاهد غيره مفضلا عليه بفضائل ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها فحينئذ يتألم قلبه فيعرض له حينئذ حالتان : إحداهما أن يتمنى زوال تلك الفضائل عنه والأخرى أن يتمنى حصول مثلها لنفسه ، فالأول هو الحسد المذموم والثاني هو الغبطة . قوله : ( معارضة لحكمة القدر ) فإن حكمة القدر إن اقتضت عدم حصول ذلك الشيء له وتمنى هو حصوله له فقد ادّعى استحقاقه لحصوله له وأن ذلك الحصول مما تقتضيه الحكمة ، وفيه شائبة إنكار لحكمة القدر بادّعاء ما يعارضها وينفيها . وإن تمنى حصول ما قدر له بكسب من غير أن يباشر طريق اكتسابه فقد آثر طريق البطالة المستلزمة لضياع حظه