تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
و « عن تراض » صفة « لتجارة » أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين . وتخصيص التجارة من الوجوه التي بها يحل تناول ما للغير لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات . ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا وقيل : المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه اللّه وبالتجارة صرفه فيما يرضاه . وقرأ الكوفيون « تجارة » بالنصب على « كان » الناقصة وإضمار الاسم أي إلا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
بالبخع كما يفعله جهلة الهند أو بإلقاء النفس إلى التهلكة . ويؤيده ما روي أن عمر بن العاص تأوّله
شرح
تستثنى منها ولما كان « إلا » في الاستثناء المنقطع بمعنى « لكن » ليدل على أنه كلام مستأنف منقطع عما قبله وجب أن يكون ما بعد الاستثناء مخالفا لما قبله نفيا وإثباتا ، وما قبل هذا الاستثناء نهي لا جرم قدر ما بعده عدم نهي أو أمر . أما عدم النهي فقوله : « لكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه » وأما الأمر فقوله : « أو اقصدوا كون تجارة عن تراض » وكون تجارة عن تراض عبارة عن معاوضة المال بالمال وكل عقد معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض . وقوله تعالى :بِالْباطِلِأخرج منها كل عوض لا يباح أخذه شرعا كالربا وسائر العقود الفاسدة ، والوجوه التي يحل بها تناول مال الغير كثيرة : كالهبة ، والصدقة ، والإرث ، والوصية ، والمهر ، وأرش الجنايات ، وإجابة دعوة من دعاك إلى طعام ، والتجارة من بينها أكثر وقوعا وأوفق بذوي المروءات فلذلك خصت بالذكر من بينها . وإن أريد بالتجارة انتقال المال من يد إلى يد مطلقا سواء كان انتقاله بطريق المعاوضة أم لا فحينئذ تكون متناولة لجميع الوجوه المذكورة لا مختصة ببعضها حتى يحتاج في تخصيصها بالذكر إلى الاعتذار . وقرأ الكوفيون « تجارة » نصبا على أن تكون ناقصة واسمها مستتر فيها مبهم يفسره الظاهر وهو تجارة أي إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض كقوله :إذا كان يوما ذا كواكب أشنعاأي إذا كان اليوم يوما . ويجوز أن يكون اسمها المستتر فيها راجعا إلى الجهة المدلول عليها بقوله تعالى :بِالْباطِلِأي إلا أن تكون جهة الأكل تجارة . قوله : ( بالبخع ) في الصحاح : بخع نفسه بخعا أي قتلها غما . انتهى . أي قتل نفسه تأسفا وحزنا على الشيء الفائت كأنه قيل : لا تقتلوا أنفسكم بالتحزن على ما فات عنكم من فضائل الأبرار وإن كان ذلك لقصد الرياضة وتقوية جانب الروحانية فإن الرياضة إنما تنفع وتفيد تقوية جانب الروحانية إذا كانت على قانون الشرع . فما يروى عن جهلة الهند من حبس النفس أياما كثيرة على قصد الرياضة ومخالفة الهوى بحيث يؤدي ذلك إلى هلاكهم فما هو إلا جهالة محضة يهلكون أنفسهم بلا فائدة . قوله : ( ويؤيده ما روي أن عمر بن العاص ) روي عنه رضي اللّه عنه أنه قال : احتلمت في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن