من باب الآفات ثم جمع يتمى على يتامى كأسرى وأسارى . والاشتقاق ويقتضي وقوعه على الصغار والكبار لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ ووروده في الآية إما للبلغ على الأصل أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر حثا على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إن أونس منهم الرشد ولذلك أمر بابتلائهم صغارا أو لغير البلغ والحكم مقيّد وكأنه قال : وآتوهم إذا بلغوا . ويؤيد الأول ما روي أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت ، فلما سمعها العم قال : أطعنا اللّه ورسوله نعوذ باللّه من الحوب الكبير .
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ
شرح
وواحدها أفيل والأنثى أفيلة . وفعيل في الصفة وإن كان يجمع أيضا على فعائل إلا أنه قليل نادر . فلما كان يتيم جاريا مجرى الأسماء جمع على يتائم ، ثم قدم الميم على الياء فصار يتامى بكسر الميم ، ثم أبدلت الكسرة فتحة والياء ألفا فصار يتامى . ويؤيد هذا الجواب ورود الجمع على الأصل في قول الشاعر :أأطلال حسنى بالبراق اليتائم * سلام على أحجاركن القدائمو « حسنى » علم امرأة و « البراق » جمع برقة وهي المكان الذي فيه حجارة سود وبيض .
والجواب الثاني أن اليتيم فعيل من باب الآفات والأوجاع وكل فعيل من هذا الباب قياس جمعه أن يجيء على فعلى كمريض ومرضى وجريح وجرحى وقتيل وقتلى وجريب وجربى وأسير وأسرى ، فجمع يتيم على يتمى ثم يتمى على يتامى كما جمع أسير على أسرى ثم جمع أسرى على أسارى فيمن فتح الهمزة . قوله : ( والاشتقاق ) أي اشتقاق اليتيم من اليتم بمعنى الانفراد يقتضي جواز إطلاقه على الصغار والكبار لعدم الفرق بينهما في معنى الانفراد عن الآباء لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ . فورد أن يقال لما كان اسم اليتيم مختصا بالصغير لزم أن يكون الأوصياء والأولياء مأمورين بدفع أموال الأيتام إليهم ما داموا أيتاما صغارا وذا لا يجوز في الشرع ، وإذا صار كبيرا بحيث أونس منه الرشد وجاز دفع ماله إليه لم يبق يتيما فكيف قالوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ؟فأجاب عنه بوجهين : الأول أن المراد باليتامى الذين بلغوا وكبروا وسماهم اللّه يتامى إما على مقتضى الاشتقاق وأصل اللغة ، وإما على الاتساع لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال ذلك عنهم في ذلك الوقت كقوله تعالى :فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ[ الشعراء : 46 ] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود . والنكتة في اختيار طريق التجوز الحث على تعجيل الدفع أول بلوغهم إلى حد النكاح بأن بلغوا مبلغ الرجال والنساء ، فإن آنستم وأبصرتم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم . والوجه الثاني من الجواب أن المراد باليتامى الصغار والمعنى : وآتوا اليتامى أي الذين هم يتامى في الحال أموالهم بعد زوال صفة اليتم عنهم ، فإن لفظ « آتوا » أمر والأمر يحتمل الحال والمستقبل