وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
( 147 ) أي وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربّانيين إلا هذا القول . وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم هضما لها وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالنا والاستغفار عنها ، ثم طلب التثبيت في مواطن الحرب والنصر على العدوّ ليكون عن خضوع وطهارة فيكون أقرب إلى الإجابة . وإنما جعل قولهم خبرا لأن أن قالوا أعرف لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث .
شرح
سفيان . ويحتمل أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم بأن تقع الشكوك والشبهات في قلوبهم والاستكانة بالانتقال من دينهم إلى دين عدوهم . ذكر في استكانوا احتمالين : الأول أن يكون أصله استكن على أنه افتعل من السكون أشبعت فتحة الكاف فتولد منها ألف كقوله :أعوذ باللّه من العقراب * الشائلات عقد الأذنابيريد العقرب الشائلة أي الرافعة .
قوله تعالى :( وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا )الجمهور على نصب قولهم خبرا مقدما والاسم « أن » وما في حيزها تقديره وما كان قولهم إلا قولهم هذا الدعاء أي دأبهم وديدنهم .
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع « قولهم » على أنه اسم « كان » والخبر « أن » وما في حيزها لأنه أعرف من المضاف إلى المضمر قالوا : لأنها تشبه المضمر من حيث إنها تضمر ولا توصف ولا يوصف بها . و « قولهم » مضاف إلى مضمر فهو في رتبة العلم فهو أقل تعريفا . وعلله المصنف بقوله : « لدلالته على جهة النسبة » لأن الفعل يدل صريحا على أنه مسند إلى الفاعل ومنسوب إليه بخلاف المضمر المضاف فإنه يحتمل أن تكون إضافته ونسبته إلى الفاعل أو إلى المفعول مع قطع النظر عن الدلائل الخارجية . ومعنى الآية : وما كان قولهم عند قتل نبيهم إلا هذا الدعاء فقدموا فيه التوبة وطلب مغفرة ذنوبهم الصغائر وإسرافهم فيها لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين فلما تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء الأعداء حملوا ذلك على تقصيرهم في طاعة ربهم بارتكاب الذنوب مطلقا . ثم خصوا كبائر الذنوب بالذكر حيث عبروا عن ذنوبهم بقولهم :وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا[ آل عمران : 147 ] ولا شك أن الإسراف في الذنب والإفراط فيه كبيرة . ويحتمل أن يكون الذنب والإفراط واحدا ويكون المقصود من ذكرهما معا المبالغة في الاعتراف بالذنب وفي إضافة سوء الذنب إلى أنفسهم .
ثم إنهم لما فرغوا من التوبة والاستغفار سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم بإزالة الخوف عن قلوبهم وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم . ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على عدوهم