فقاتل حتى قتل . فنزلت :
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
بارتداده بل يضرّ نفسه
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
( 144 ) على نعمة الإسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه .
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
إلا بمشيئته تعالى أو بإذنه لملك الموت عليه السّلام في قبض روحه . والمعنى أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون بالإحجام عن القتال والإقدام عليه . وفيه تحريض وتشجيع على القتال ووعد للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالحفظ وتأخير الأجل .
كِتاباً
مصدر مؤكد إذ المعنى كتب الموت كتابا
مُؤَجَّلًا
صفة له أي مؤقتا لا يتقدّم ولا يتأخّر .
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد فإن المسلمين حملوا على المشركين وهزموهم وأخذوا ينهبون فلما رأى الرماة ذلك أقبلوا على النهب وخلوا مكانهم فانتهز المشركون وحملوا عليهم من ورائهم فهزموهم .
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها
أي من ثوابها
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
( 145 ) الذين شكروا نعمة اللّه فلم يشغلهم شيء عن الجهاد .
شرح
علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به . فإن قوله بعد علمهم معنى الفاء وعبر عما صدر عن الصحابة رضي اللّه عنهم من الفرار والانهزام وإهمال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وترك محافظته ونصرته بالانقلاب على الأعقاب والارتداد على وجه التغليظ بهم واستعظام ذلك منهم إذ من المعلوم أن أحدا من المسلمين ما ارتد في ذلك اليوم . قوله : ( بل يضر نفسه ) الحصر مستفاد من تقييد الفعل بالمفعول ورجوع النفي إلى القيد لا إلى أصل الفعل فيكون المعنى أنه بارتداده قد صدر عنه ضرر ولكن ذلك الضرر ليس بالنسبة إلى اللّه عز وجل لتعاليه عن الضرر ، ومعلوم أنه ليس بالنسبة إلى غير نفسه فتعيّن أنه ليس إلا بالنسبة إلى نفسه .
قوله : ( وما كان لنفس أن تموت ) قوله :أَنْ تَمُوتَفي محل الرفع اسما لكانَولِنَفْسٍخبر مقدم فيتعلق بمحذوف وإِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِحال من الضمير لتَمُوتَفيتعلق بمحذوف وهو استثناء مفرغ . والتقدير : وما كان لها أن تموت في حال ما إلا في حال كونها مأذونا لها والباء للمصاحبة ولما كان ظاهر الآية يدل على أن الموت فعل اختياري للنفس إلا أنها إنما تفعله إذا أذن لها فيه وليس كذلك لأن الموت ليس بمقدور لها عقلا فضلا عن أن يتوقف على الاستئذان والإذن . ذكر المصنف في توجيه الآية وجهين : الأول أنه مجاز عن المشيئة نظرا إلى كونه من لوازمها فإذا لم يكن الإذن على حقيقته لم يلزم أن يكون الموت من الأفعال الصادرة من النفس ، وإسناد الفعل إلى فاعله إنما يستلزم قيامه به لا