ويقول : « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم » . فنزلت . وقيل : همّ أن يدعو عليهم فنهاه اللّه لعلمه بأن فيهم من يؤمن .
فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
( 128 ) قد استحقوا التعذيب بظلمهم .
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
خلقا وملكا فله الأمر كله لا لك
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
صريح في نفي وجوب التعذيب والتقييد
شرح
ومعنى الآية على التقدير الأول : أن أمورهم كلها للّه وليس لك من أمرهم شيء ولا من توبتهم ولا من تعذيبهم ، وعلى التقدير الثاني : ليس لك من أمرهم شيء ولا توبتهم ولا تعذيبهم . والفرق بين العطف على الأمر والعطف على شيء أن الأول سلب توابع التوبة من القبول وتوابع التعذيب بالخلاص منه أو عدم النجاة منه ، والثاني سلب نفس التوبة والتعذيب أي لا تقدر على أن تجبرهم على التوبة أو تمنعهم عنها ولا أن تعذبهم أو تعفو عنهم . ويرد على هذا الفرق أنه كيف يكون المراد على الثاني سلب نفس التوبة بالمعنى المذكور مع أن قوله تعالى :أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْمعناه أن يتوب عليهم ؟ فيكون المعنى ليس لك من أمرهم شيء ولا أن يتوب عليهم ولا يعذبهم فكيف يصح قوله ؟ بمعنى أنك لا تقدر تجبرهم على التوبة أو تمنعهم عنها وكان من قرر الفرق على الوجه المذكور يريد بالتوبة ما هو سبب التوبة عليهم وإلا فالمذكور في الآية هو أن يتوب اللّه عليهم لا نفس توبتهم . قال الإمام : ظاهر الآية يدل على أنها وردت للمنع من أمر كان صلّى اللّه عليه وسلّم يريد أن يفعله وذلك الفعل إن كان بأمر اللّه تعالى فكيف يمنعه منه ؟ وإن كان بغير أمره فكيف يكون صاحبه معصوما ؟
وقد ثبت عصمة الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم . والجواب عنه من وجهين : الأول أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه كان مشتغلا به فإنه تعالى قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ[ الزمر : 65 ] مع أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما أشرك قط . والفائدة في منع من لم يشتغل بالممنوع منه أنه لما حصل ما يوجب الغم الشديد كقتل حمزة وبعض المسلمين رضي اللّه عنهم اغتم رسول اللّه . والظاهر أن مثل هذا الغم يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل ، فنص اللّه تعالى على المنع تقوية لعصمته وتأكيدا لطهارته . والثاني أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلمهم أن يفعل لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل والأولى فلا جرم أرشده اللّه تعالى إلى اختياره الأولى . ووجه ثالث وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم لما مال قلبه إلى أن يدعو عليهم استأذن ربه فنزلت الآية بالنص على المنع ، فليس في مثل هذا النهي ما يقدح في عصمته صلّى اللّه عليه وسلّم .
قوله : ( صريح في نفي وجوب التعذيب ) حكم بأن الأمر كله للّه وإلى أنه تابع لمشيئته يفعل ما يشاء بحكم إلهيته وقهره وقدرته ، فله أن يدخل الجنة جميع الكفار وأن يدخل النار