[ النساء : 171 ] كما أنه جواب قولهم : لا أب له غير اللّه فتعين أن يكون هو أبّا له بأنه مصوّر الأجنة كيف يشاء فيصوّر من نطفة أب ومن غيرها ، وبأنه صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أب المصوّر .
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
من مقال الراسخين ، وقيل : استئناف . والمعنى لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه . قال عليه الصلاة والسّلام : « قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه » . وقيل : لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا .
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
إلى الحق والإيمان بالقسمين . و « بعد » نصب على الظرفية و « إذ » في موضع الجر بإضافته إليه . وقيل : إنه بمعنى إن .
وَهَبْ لَنا مِنْ
شرح
كونه جوابا عنه أن ظاهره لما كان مخالفا للدليل العقلي كان من قبيل المتشابهات فوجب تأويله برده إلى أم الكتاب .
قوله : ( من مقال الراسخين ) واعترض قوله تعالى :وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِبين مقالتهم مدحا بما ذكر أي ويقول الراسخون : ربنا لا تمل قلوبنا عن الهدى والعدل كما أزغت قلوب الزائغين وحذف « يقولون » لدلالة أول عليه فلما آمن الراسخون بكل ما أنزل اللّه تعالى من المحكمات والمتشابهات وتضرعوا إليه تعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن جعلها مائلة إلى الحق فإن القلب صالح لأن يميل إلى كل واحد من الإيمان والكفر ولا يميل إلى شيء منهما إلا عند حدوث داعية أحدثها اللّه تعالى . فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر فهي الخذلان والإزاغة والختم والطبع والرين والفسوق والوقر والكنان وأحد الأكنة ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في القرآن . وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي التوفيق والإرشاد والهداية والتسديد والتثبيت والعصمة ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في القرآن وكان عليه الصلاة والسّلام يقول : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » والمراد من هذين الأصبعين داعية الخير والشر شبههما بالأصبعين تشبيها لهما بأصبعي الإنسان في كونهما وسيلتين وواسطتين في أمر التقليب . قوله : ( وقيل لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ) كل واحد من الزيغ والهداية مخلوق للّه تعالى عند أهل السنة ، والمعتزلة لما أبوا عن إسناد زيغ القلب وضلاله إلى اللّه تعالى لكونه فعلا قبيحا فسروا الإزاغة بالابتلاء والمعنى : لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ . فإنهم لما ذهبوا إلى أن كل ما صلح في قدرة اللّه تعالى أن يفعله في حقهم لطفا وجب عليه ذلك وجوبا لو تركه لبطلت إلاهيته فلما امتنع أن يسند إليه إزاغة القلوب عندهم لم يبق فائدة في دعاء الامتناع عنها . قوله : ( وإذ في موضع الجر ) لأنها خرجت عن الظرف بالإضافة إليها لما كان تطهير القلوب عما لا ينبغي مقدما على تنويرها بما ينبغي . سأل الراسخون في العلم ربهم أولا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى