إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه . ومن وقف على إلا اللّه
و
شرح
الأعراب وطريق استعمال الألفاظ في معانيها حقيقة ومجازا وصراحة وكناية بعد أن نوّر اللّه تعالى بصيرته بحيث يستعد لأن يقف على أسرار القرآن واستنباط المعاني المكنونة تحت كلماته المتعلقة بالدراية قال عليه الصلاة والسّلام لابن عباس رضي اللّه عنه : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » . وقال عليه الصلاة والسّلام : « من فسر القرآن برأيه فقد كفر » . وفي رواية : « من فسر القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ » . وقد يسمى التفسير تأويلا قال تعالى :سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً[ الكهف : 78 ] وقال :وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[ الإسراء : 35 ] وذلك لأنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى . والمراد منه ههنا أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب اللّه تعالى دليل عليه مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟
وأن مقدار الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم يكون ؟ وفسر صاحب الكشاف قوله تعالى :ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِبقوله طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه . فسر الفتنة بالضلال عن الدين إذ لا فتنة ولا ضلال أعظم من الفتنة في الدين وذلك يقتضي فساده . وقال الأصم في تفسير الفتنة : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في البين صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين وذلك يفضي إلى التقاول والمرج وذلك هو الفتنة . وتقييد الفتنة بالفتنة في الدين والتأويل وبالتأويل على ما يشتهون مستفاد من المقام .
قوله : ( ومن وقف على إلا اللّه ) اختلف الناس فيه فقال قوم الواو في قوله :وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِعاطفة على الجلالة على هذا لا يعلم المتشابه إلا اللّه . ويجوز أن يكون لبعض الناس تأويل شيء من القرآن سوى ما استأثر اللّه بعلمه ويكون قوله :يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِإما حالا من« الرَّاسِخُونَ »أي يعلمون التأويل حال كونهم قائلين ذلك ، وإما استئنافا كما أشار إليه المصنف . وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله :وَالرَّاسِخُونَواو الابتداء والاستئناف فيكون مبتدأ والجملة بعده خبره فعلى هذا لم يطلع عليه أحد من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها وخروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسّلام ونحوه . روي عن عمر بن عبد العزيز في هذه الآية أنه قال : انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا :آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّناوعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أوجه : تفسير لا يسع أحدا جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير يعلمه الفقهاء ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه . وسئل مالك بن أنس رضي اللّه عنه عن قوله تعالى :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] فقال : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة . ويؤيد هذا القول وجوه : أحدها أنه