فسر المتشابه بما استأثر اللّه بعلمه كمدّة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة وخواص الأعداد كعدد الزبانية ، أو بما دلّ القاطع على أن ظاهره غير مراد ولم يدلّ على ما هو المراد
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
استئناف موضح لحال الراسخين أو حال منهم أو خبر « أن » جعلته مبتدأ .
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
أي كل من المتشابه والمحكم من عنده .
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
( 7 ) مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر وإشارة إلى ما استعدوا به للاهتداء إلى تأويله وهو تجرد العقل عن غواشي الحس . واتصال الآية بما قبلها من حيث إنها في تصوير الروح بالعلم وتربيته ، وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته . أو أنها جواب عن تشبّث النصارى بنحو قوله تعالى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
شرح
تعالى ذم طلب المتشابه بقوله :فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ[ آل عمران : 7 ] وثانيها أنه مدح الراسخين في العلم بأنهميَقُولُونَ آمَنَّا بِهِوقال في أول البقرة :فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ[ البقرة : 26 ] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل لا بد أن يؤمن به . وثالثها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد علمنا أن مراد اللّه تعالى بعض من معانيه المجازية ومعلوم أن المعاني المجازية كثيرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية لا بالظن فكيف يحكم في تأويل القرآن بالدلائل الظنية ؟ قوله : ( بما استأثر اللّه تعالى بعلمه ) وتكون الحكمة في إنزاله ابتلاء الراسخين بحملهم على التوقيف وكبح عنان التصرف وإن أريد به ما لا يتضح المراد منه بحيث يتناول المجمل والمؤول فالحق العطف .
قوله : ( مدح للراسخين ) حيث قال :أُولُوا الْأَلْبابِواللب العقل والجمع الباب .
وخالص كل شيء لبه . وجودة الذهن مستفادة من التعبير عن العقل باللب المنبىء عن الخلوص . قوله : ( واتصال الآية بما قبلها ) أي اتصال قوله تعالى :هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ[ آل عمران : 7 ] الآية بما قبلها وهو قوله :هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ[ آل عمران : 6 ] وقد مر أنه كالدليل على القيومية وكالاستدلال على أنه لا يخفى عليه شيء . ووجه كونه كالدليل على القيومية أن القائم بمصالح الخلق لا بد أن تكون مصالحهم الجسمانية والروحانية بيده وقد بيّن استيلاءه على أشرف مصالحهم الجسمانية وهو تعديل بنيتهم على أحسن الأشكال والهيئات بقوله :هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِوبيّن بهذه الآية قيوميته بأشرف مصالحهم الروحانية وهي تصوير الروح بالصور العلمية وتربيته بها .
قوله : ( أو أنها جواب عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم ) وتقرير