تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
والمعاصي
فَأَهْلَكَتْهُ
عقوبة لهم لأن الإهلاك عن سخط أشدّ . والمراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته صرّ فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في الدنيا والآخرة ، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه الريح دون الحرث . ويجوز أن يقدّر مهلك ريح وهو الحرث .
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 117 ) أي ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم ولكنهم ظلموا أنفسهم لما لم ينفقوها بحيث يعتدّ بها أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة . وقرىء ولكن أي ولكن أنفسهم يظلمونها ولا
شرح
كان في الأصل مصدرا بمعنى البرد مطلقا ثم غلب استعماله في الريح الباردة على توصيف الريح بالبرد مبالغة في برودتها كما استعمل العدل في الرجل العادل لذلك . ثم وصفت الريح بقوله :فِيها صِرٌّباعتبار أصل معناه فكان المراد فيها برد ومعنى الشدة مستفاد من تنكير « صر » وأشار إلى توجيه ثان بقوله : « أو نعت وصف به البرد » أي ويجوز أن يكون نعتا بمعنى البارد فوصف به البرد ، والموصوف محذوف والتقدير : كمثل ريح فيها برد بارد بطريق إسناد المشتق إلى المأخذ كما في جد جده ، وطريق الجمع بين كونه نعتا بمعنى البارد . وشيوع إطلاقه للريح الباردة أنه إما أن يكون مشتركا بين الريح الباردة وبين البارد مطلقا فأريد به ههنا المعنى الثاني ، وإما أن يكون موضوعا بالغلبة للريح الباردة كالمرسن لأنف مرسون ثم استعمل في البارد مطلقا ريحا كان أو غيرها استعمال المرسن في الأنف مطلقا ثم وصف به البرد كما ذكر . قوله : ( لأن الإهلاك عن سخط أشد ) علة لمقدر يفهم من تقييد الحرث بكونه لقوم ظلموا وتقدير الكلام لم يشبه ما أنفقوا في ضياعه بمطلق الحرث الذي أهلكه البرد بل قيد الحرث بكونه لقوم ظلموا أنفسهم ليدل على المبالغة لأن الإهلاك عن سخط يكون أشد وأبلغ وقوله : « وهو من التشبيه المركب » وهو ما يكون وجهه منتزعا من متعدد جواب عما يقال : قد ذكرت أن المراد تشبيه ما « أنفقوا » بحرث كفار . والذي يفهم من الآية تشبيه « ما أنفقوا » بالريح فكيف قيل : إن المراد ذلك ؟ وأجاب عنه بوجهين . قوله : ( وقرىء ولكن ) يعني أن العامة على تخفيف« لكِنْ »وهي استدراكية « وأَنْفُسَهُمْ »مفعول مقدم قدم للاختصاص أي لم يقع وبال ظلمهم إلا بأنفسهم خاصة لا يتخطاهم . وفي التقديم مراعاة للفواصل أيضا . وقرأها بعضهم مشددة ووجهها أن يكون أنفسهم في قراءة التشديد أيضا مفعول« يَظْلِمُونَ »فإن قيل : يحتمل أن يكون اسم « لكن » محذوفا على أنه ضمير الشأن حذف للعلم به وتكون الجملة الفعلية بعدها خبرا لها . فالجواب أن حذف اسم هذه الكلمة