تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
فلن يضيع ولا ينقص ثوابه البتة سمي ذلك كفرانا كما سمي توفية الثواب شكرا وتعديته إلى مفعولين لتضمنه معنى الحرمان . قرأ
شرح
نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا » . وصف اللّه تعالى الأمة القائمة وبيّن استقامتهم بقوله :يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ[ آل عمران : 113 ] وأشار به إلى كمال حالهم بحسب القوة العملية ثم وصفهم بأنهم يؤمنون باللّه واليوم الآخر وهو أفضل المعارف الحاصلة في قلوبهم . وأشار به إلى كمال حالهم بحسب القوة النظرية ثم بالغ في مدحهم حيث وصفهم بأنهم لم يقنعوا بالاستكمال بحسب القوتين العملية والنظرية بل سعوا في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف وبمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر . ثم ترقى في مدحهم حيث وصفهم بأنهم لا يؤخرون شيئا مما هو خير لهم سواء تعلق بكمالهم في أنفسهم أو بتكميل غيرهم بل يبادرون إليه خوف الفوت ، وهو ليس من قبيل العجلة المذمومة فإنها عبارة عن تقديم ما لا ينبغي تقديمه والمسارعة المذكورة هنا عبارة عن الرغبة فيما يتعلق بالدين بناء على أن من رغب في الآخرة آثر الفور على التراخي . وقيل : معنى المسارعة في الخيرات أن يعملوها غير متأولين . قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم و « ما يفعلوا من خير فلن يكفروه » بياء الغيبة فيهما مراعاة لقوله تعالى :« مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ »« يَتْلُونَ »و« يُؤْمِنُونَ »و« يَسْجُدُونَ »و« يَأْمُرُونَ »و« يَنْهَوْنَ »و« يُسارِعُونَ »و « لن يضيع لهم أجر ما يعملون » . والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد اللّه بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان قال تعالى : بل فازوا بالدرجات العلى بسبب انقيادهم لحكم ربهم . والمقصود مدحهم بما فعلوا ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال . وأما الباقون فقد قرأوا بتاء الخطاب فيهما خطابا لجميع المؤمنين ذكر أفعال مؤمني أهل الكتاب ثم قال : وما تفعلوا معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء فلن تكفروه عمّم الخطاب ليكون حكم هذه الآية عامّا بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين ونقل عن أبي عمرو أنه كان يقرأ هذه الكلمة بالقراءتين . قوله : ( سمي ذلك كفرانا ) أي سمي منع الثواب ونقصه كفرانا مع أنه لا يجوز أن يضاف الكفران إلى اللّه تعالى ، لأنه ليس لأحد عليه تعالى نعمة حتى يكفرها نظرا إلى أنه تعالى سمى إيصال الجزاء والثواب شكرا حيث قال :فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ[ البقرة : 158 ] وقال :فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً[ الإسراء : 19 ] فلما جعل الشكران مجازا عن توفية الثواب جعل الكفران مجازا عن منعه . وقيل : لأن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفرا لأنه بمنزلة الحجب والستر . وقيل : قوله :فَلَنْ يُكْفَرُوهُتعريض بكفرانهم نعمته وأنه تعالى لا يفعل مثل فعلهم . وجيء به على لفظ المبني للمفعول لأمرين : تنزيهه تعالى عن إسناد الكفران إليه كقوله تعالى :وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ