السّلام : « إن اللّه قد قبلها منك » . وذلك يدلّ على أن إنفاق أحبّ الأموال على أقرب الأقارب أفضل وأن الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب وقرىء بعض ما تحبون وهو يدلّ على أن « من » للتبعيض ويحتمل التبيين
وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ
شرح
أردت أن أتصدّق بها . فقال عليه الصلاة والسّلام : « إن اللّه عز وجل قد قبلها منك » . وروي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه اشترى جارية فلما رآها أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال :لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَوبالجملة كان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوه للّه تعالى ذخيرة ليوم يحتاجون إليه والإنسان لا ينفق محبوبه إلا إذا أيقن أنه يتوسل بذلك إلى وجدان محبوب أشرف من الأول ، والإنسان لا ينفق محبوبه إلا إذا تيقن بوجود الصانع العالم القادر ويتيقن بالبعث والحساب والجزاء وأن من يعمل مثقال ذرة خيرا يرهوَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[ الزلزلة : 8 ] ولزم منه أن الإنسان لا يمكنه إنفاق محبوبه في الدنيا إلا إذا كان مستجمع الخصال المحمودة في الدين . واختلف المفسرون في أن المراد من الإنفاق مما يحبون هل هو إخراج الزكاة أو الإنفاق المستحب ؟
فذهب الضحاك إلى الأول وقال : المعنى حتى تخرجوا زكاة أموالكم . وقال الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه اللّه تعالى فإنه الذي عناه اللّه بقوله :حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَحتى التمرة . وما نقله المصنف من الروايات يؤيد القول الثاني . قال الإمام :
وأنا أقول لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإنفاق الأحب والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب فإنه لا يحب على المزكي أن يخرج أحسن أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبب الندب . ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي : أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة . وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه اللّه تعالى . قوله : ( وهو يدل على أن من للتبعيض ) لم يشترط إنفاق الكل تيسيرا على العباد قال القشيري : من أراد البر فلينفق بعض ما يحبه ، ومن أراد البار فلينفق جميع ما يحبه . وقيل : إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البار وأنت تؤثر عليه حظوظك ؟ روي أن ابن عمر رضي اللّه عنهما كان مريضا فاشتهى عنبا وذلك في الشتاء فخرج بنوه فاشتروا له عنقودا بدرهم ، فلما أتى به أخذ حبة فإذا سائل يسأل فأعاد الحبة في موضعها ثم قال : يا سالم ناوله العنقود فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « خير الصدقة ما كان على شهوتها » فناوله سالم العنقود ثم اشتراه منه بدرهم ثم جاء به إليه وقال : كل شهوتك . فعاد السائل فأعادها إلى موضعها وفعل كالأول ، فكان كذلك ثلاث مرات ومات عبد اللّه بشهوته رضي اللّه عنه . قوله : ( ويحتمل التبيين ) والمعنى لن تنالوا البر إلا أن تنفقوا الشئ الذي تحبونه . ودلت الآية على أن لا بأس بمحبة شيء من