تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
الباقين على تقدير وقل لهم :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً
شرح
وأخذ المواثيق والعهود والتشاهد . فإن قلت : جعلها معطوفة على الجملة المتقدمة يستلزم عطف جملة فعلية على اسمية وليس بفصيح . فالجواب أنه إن تضمن نكتة كان فصيحا وهي بيان أنهم يبغون ذلك في الحالة الثابتة . وموضع الهمزة هو لفظ « يبغون » لا لفظ « غير » إذ المعنى أيبغون غير دين اللّه ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث التي تتعلق بالذوات وكذا الإنكار لا يتوجه إلى نفس الذوات بل إلى عوارضها إلا أنه قدم المفعول الذي هو غير دين اللّه على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل . واعلم أن هذه الجملة لو عطفت بالواو وقيل : أو غير دين اللّه يبغون ، جاز إلا أن للفاء فائدة جليلة وهي التوبيخ البليغ فإن الفاء تدل على أنهم يبغون ذلك عقيب أخذ الميثاق المذكور المقرر . قوله تعالى :( وَلَهُ أَسْلَمَ )جملة حالية أي كيف يبغون غير دينه والحال هذه وقوله :طَوْعاً وَكَرْهاًمصدران في موضع الحال والتقدير طائعين وكارهين . قال الإمام : الإسلام هو الاستسلام ، والانقياد الخضوع إذا عرفت هذ ففي خضوع كل من في السماوات والأرض للّه تعالى وجوه : الأول وهو الأصح عندي أن كل ما سوى اللّه فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه ، فإذا كل ما سوى اللّه فهو منقاد خاضع لجلال اللّه تعالى في طرفي وجوده وعدمه وهو نهاية الانقياد والخضوع . ثم هذا الوجه فيه لطيفة أخرى وهي أن قوله :وَلَهُ أَسْلَمَيفيد الحصر أي وله أسلم جميع ما سواه لا لغيره فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه . والوجه الثاني في تفسير الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده وكلهم كائنون على مراده طوعا أو كرها فالمسلمون والصالحون ينقادون له طوعا فيما يتعلق بالدين وينقادون له كرها فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك . وأما الكافرون فهم منقادون للّه كرها على كل حال لأنهم منقادون للّه فيما يتعلق بالدين وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرها لا يمكنهم دفع قضائه وقدره . وقال الحسن : أسلم من في السماوات طوعا ومن في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها خوفا من السيف والسبي . وقال قتادة : المؤمن أسلم طوعا فنفعه إيمانه والكافر أسلم كرها في وقت البأس فلن ينفعه . قال اللّه تعالى :فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا[ غافر : 85 ] وقيل : كل الخلق منقادون لإلهيته طوعا بدليل قوله تعالى :وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ لقمان : 25 ؛ الزمر : 38 ] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده الآلام كرها . فقول المصنف : « أي طائعين بالنظر في الأدلة » الخ هو الوجه الثاني . والفرق بين ما ذكره من الوجهين لا يخلو عن خفاء ونهاية ما أدركه الفكر الفاتر أن الكره بالمعنى الأول هو مباشرة ما لا يرضاه تجنبا عما