كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
بسبب كفرهم بالمعجزات التي من جملتها ما عدّ عليهم من فلق البحر وإظلال الغمام وإنزال المنّ والسلوى وانفجار العيون من الحجر ، أو بالكتب المنزلة كالإنجيل والفرقان وآية الرجم والتي فيها نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من التوراة . وقتلهم الأنبياء فإنّهم قتلوا شعياء وزكرياء ويحيى وغيرهم بغير الحق عندهم إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم . وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحبّ الدنيا كما أشار إليه بقوله
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
( 61 ) أي جرّهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين . فإن صغار الذنوب سبب يؤدّي إلى ارتكاب كبارها كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدّية إلى تحرّي كبارها .
وقيل : كرّر الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر والقتل ، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود اللّه تعالى . وقيل : الإشارة إلى الكفر والقتل . والباء
شرح
قوله : ( بسبب كفرهم ) يعني أن الباء في قوله تعالى :بِأَنَّهُمْللسببية وأن كلمة « إن » مع ما في حيزها في تأويل المفرد . والمراد بالآيات إما المعجزات التي أظهرها اللّه تعالى في أيدي الأنبياء في دعوى الرسالة فإنهم كافرون بها ، وإما الكتب المنزلة كلها أو آية من آياتها مثل الكفر بآية الرجم ، أو بالآية التي فيها نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من التوراة .
قوله : ( أي جرهم العصيان إلى آخره ) إشارة إلى أن ذلك الثانية إشارة إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين ، وأن الباء في قوله :بِما عَصَوْاسببية و « ما » مصدرية . والمدى الغاية ، والتمادي البلوغ إلى الغاية ، والاعتداء التجاوز عن الحد . ولم يذكر في الآية أنهم في أي شيء يتجاوزون عن الحد لدلالة قوله : « ما عصوا عليه » .
قوله : ( وقيل كرر الإشارة الخ ) عطف على ما سبق بحسب المعنى كأنه قيل ذلك الثاني إشارة إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين ، وقيل إنه إشارة إلى ما أشير إليه بذلك الأول من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب إلا أنه كرر الإشارة ولم يكتف بعطف ما بعده على ما ذكر قبله ليدل على أن كل واحد مما ذكر قبله وما ذكر بعده سبب مستقل في التأدية إلى ما لحقهم من الذلة والمسكنة والبوء بالغضب ، ولو لم يكرر لفظ ذلك بل عطف أحد السببين على الآخر لربما يتوهم أن السبب اجتماع الأمرين . ولم يرض المصنف بهذا القول حيث نقله بلفظ « قيل » بناء على أن حمل الكلام على التأسيس خير من حمله على التأكيد . وقيل :
الإشارة إلى الكفر والقتل كما في القول الأول إلا أن الباء ليست للسببية بل بمعنى مع ، والمعنى : ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا فقوله تعالى :ذلِكَمبتدأ ومع « ما عصوا خبر أي كفرهم وقتلهم الأنبياء مقرون بأنواع المعاصي والاعتداء في باب العصيان كأنه قيل :
ضربت عليهم كذا وكذا لأنهم كفروا وقتلوا وما اكتفوا بهما بل ضموا إليهما الاعتداء . ولعل