تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
اهْبِطُوا مِصْراً
انحدروا إليه من التيه . يقال : هبط الوادي إذا نزل به وهبط منه
شرح
من ذلك كما قال المصنف . فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي ولا سيما أن ما أنزل عليهم لا شبهة في حله وخلوصه مما يدنسه بخلاف ما سألوه ، فإن الأرض وما ينبت منها يتخللها البيع والغصب وظلم الدابة فلا يخلو عن شائبة الشبهة فكان أدنى من هذا الوجه أيضا . وذهب أكثر المفسرين إلى أن ذلك السؤال منهم كان معصية لتضمنه استخفاف ما أنعم اللّه تعالى به عليهم من المن والسلوى وهو معصية . وقال الإمام : إن ذلك السؤال ليس بمعصية لأن قوله تعالى :كُلُوا وَاشْرَبُواعند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم :لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَمعصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام له أن يسأل غير ذلك فلا يكون بسؤاله عاصيا فقوله تعالى :ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِلا يجوز أن يكون مبنيا على ما تقدم من السؤال بل هو مبني على ما ذكره اللّه تعالى بعد ذلك ، وهو قوله ذلك بأنهم :كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِالآية . والظاهر أن ذلك السؤال منهم لا يخلو عن قباحة وسوء أدب لتضمنه الكفران بجلالة قدر ما أنزل عليهم من غير تعب وكد لا سيما إدا مهد بنفي الصبر عليه مؤكدا بكلمة « لن » حيث قالوا :لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍأي لن نقدر على حبس أنفسنا على نوح واحد من الطعام وهو المن والسلوى . فاللّه تعالى خصهم بما لم يعطه طائفة من طوائف الأنام ثم إنهم استخفوا ذلك ونزعوا إلى ما يحصل بالزراعة والشقاء مما لا قدر له في جنب ما رزقوه ، فلذلك وبخهم اللّه تعالى بذلك وعده من جملة مساويهم وقبائح ما صدر عنهم بعدما ذكرهم بجلائل نعمه وعظيم فضله وإحسانه . فإن قوله تعالى :يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[ البقرة : 47 ] إلى قوله :وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَالآية تذكير لنعمه وتعداد لها عليهم . ثم شرع في تذكيرهم قبائح ما صنعوا في مقابلة تلك النعم المذكورة فقال :وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسىأي واذكروا أيضا ما وقع منكمإِذْ قُلْتُمْإلى آخر الآيات المتعلقة بذلك . واللّه أعلم . قوله : ( انحدروا إليه ) أي انزلوا يحتمل أن يكون التيه في صعود ويكون المصر في هبوط . ويحتمل أن يكون الهبوط مطلق النزول من غير أن يلاحظ كونه من أعلى إلى أسفل . والظاهر أن قوله :اهْبِطُوا مِصْراًمن جملة مقول قال في قوله تعالى قال :أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنىثم إن كان القائل هو اللّه تعالى بأن سأل موسى عليه السّلام ذلك من ربه فأجاب اللّه تعالى منكرا عليهم بقوله على لسان موسى عليه السّلام : أتستبدلون الخسيس بالشريف وبقوله وإن أبيتم إلا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار فإن ما سألتم لا يوجد في البرية وإنما يوجد في الأمصار ، فالمناسب حينئذ أن يكون قوله :اهْبِطُوا مِصْراًأمر تعجيز