تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
يريد به ما رزقوا في التيه من
شرح
والاستحالات الخارجة عن العادات فقد ترك النظر فيما اعترف به ، فإنه قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجر الحديد وأن الحجر المنافر للخل ينفر عنه حتى أنه لو ألقي في إناء فيه الخل ينحرف عنه حتى يسقط خارج الإناء ، وأن الحجر الحلاق يحلق الشعر ويزيله عن البدن وكل ذلك عندهم من أسرار الطبيعة وخواصها . وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم فغير ممتنع أن يخلق اللّه تعالى حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض فإنهم يجوزون انقلاب الهواء ماء وبالعكس ولذلك قالوا : إن وضع في الكوز الفضي جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات من الماء فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء بقوة برودة الكوز . فمن جوّز هذا الانقلاب لا يليق به أن ينكر انفجار العيون من حجر موسى عليه السّلام . والمقصود من هذا الكلام إلزام المنكرين مما اعترفوا به وإلا فاللّه تعالى قادر على أن يخلق ما يشاء بلا مادة ومدة . واعلم أن الفلاسفة على كثرتهم واختلاف مذاهبهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام : الدهريون والطبيعيون والإلهيون ، فالدهريون طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بلا صانع ولم يزل الحيوان متولدا من نطفة حيوان آخر متولد من نطفة ثالث إلى غير النهاية وهؤلاء هم الزنادقة . والطبيعيون قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعجائب الحيوان والنبات وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوان فرأوا فيها من عجائب صنع اللّه تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها إلا أنهم لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام قوي الحيوان فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا وأنها تبطل ببطلان مزاجه وانعدامه ، فإذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود ، فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ولا للمعصية عقاب فلم يتقيدوا بفعل الواجبات واجتناب المنكرات وانهمكوا في الشهوات انهماك الأنعام وهؤلاء أيضا زنادقة . فإن أصل الإيمان هو الإيمان باللّه تعالى واليوم الآخر وإن آمنوا باللّه وصفاته . والصنف الثالث الإلهيون وهم المتأخرون منهم مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطو وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين الدهرية والطبيعية وأوردوا لكشف فضائحهم ما أغنوا به غيرهم ، ثم رد أرسطو على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم إلا أنه استبقى من رذائل كفرهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفين الإسلاميين كابن سينا والفارابي وغيرهما . كذا ذكره حجة الإسلام الغزالي .