عَلَّمَهُ اللَّهُ
مثل ما علمه من كتبة الوثائق أو لا يأب أحد أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللّه بتعليمها كقوله :
وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
[ القصص : 77 ]
فَلْيَكْتُبْ
تلك الكتابة المعلّمة ، أمر بها بعد النهي عن الإباء عنها تأكيدا . ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة .
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه . والإملال والإملاء واحد .
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
أي المملي أو الكاتب
وَلا يَبْخَسْ
ولا ينقص
مِنْهُ شَيْئاً
أي من الحق أو مما أملى عليه .
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً
ناقص العقل مبذرا
شرح
تكتب فاكتب على العدل واعتبر من الشرائط ما اعتبره اللّه تعالى . قوله : ( أو لا يأب أحد أن ينفع الناس بكتابته الخ ) إشارة إلى أن هذا الأمر ليس للإيجاب بل هو لإرشاد الكاتب إلى ما هو أولى له . والمعنى أنه تعالى لما علمه قوانين الكتبة وطريق إحياء حقوق المسلمين فالأولى له أن يكتب تحصيلا لمهم أخيه المسلم شكرا لتلك النعمة . قوله : ( والإملال والإملاء واحد ) يقال : أمل يمل إملالا ، وأملى يملي إملاء ، ويقال : أمللت وأمليت فقيل : هما لغتان بمعنى واحد وهو الاعتراف باللسان وإلقاء إقراره بالحق وقدره وجنسه وصفته وأجله ونحو ذلك على الكاتب ويشهد على ذلك كله ليكتبه الكاتب كما أقر . وقيل : الياء في أملى وأمليت بدل من أحد المثلين كما في تقضي البازي . والحق يجوز أن يكون مبتدأ وعليه خبرا مقدما عليه ويجوز أن يكون فاعلا للجار قبله لاعتماده على الموصول الذي هو فاعل ليملل ومفعوله محذوف أي ليملل من عليه الحق الكاتب ما عليه من الحق فحذف المفعولان للعلم بهما .
قوله تعالى :وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُأي كل واحد من المملي والكاتب بأن يقر أحدهما ويكتب الآخر بمبلغ المال وبتفاصيل الخصوصيات المعبرة في العقد ولا يبخس أي لا ينقص منه شيئا لا يبخس المملي شيئا من الحق ولا الكاتب شيئا مما أملى عليه . والمصنف استفاد الحصر من قوله تعالى :وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّبأن جعل الكلام مستوفا لتعيين الفاعل لا للإلزام بنفس الفعل حيث قال : « وليكن المملي من عليه الحق » بناء على شهادة المقام واقتضائه الدلالة على الحصر إلا أنه لم يقدم الفاعل اكتفاء بتعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية واختصاص الحكم بما تحقق فيه الوصف لأن الأصل عدم علة أخرى . قوله : ( ناقص العقل مبذرا ) فسر السفيه بالعاقل البالغ الذي بلغ غير رشيد فكان في عقله خفة ونقصان كما فسره به أبو يوسف ومحمد الشافعي رحمهم اللّه ، فإنهم يرون الحجر عليه بناء على أنه مبذر لماله مضيع له بسفهه فيبطل تصرفه ويقوم وليه مقامه واستدلوا بهذه الآية . فإنه تعالى جعل ولاية الإملال من الولي في حق السفيه كما في حق الصبي فلو كان يجوز إملاله بنفسه لما حوّل ذلك إلى غيره . وأما أبو حنيفة رحمه اللّه فلا يرى الحجر عليه