به معدلا بالشرع .
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ
ولا يمتنع أحد من الكتاب
أَنْ يَكْتُبَ كَما
شرح
هو الوقت المعين لحلول وقت أدائه في المستقبل فإن قيل : المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما فائدة ذكر الأجل بعد ذكر المداينة ؟ فالجواب إنما ذكر الأجل ليمكن أن يصفه بقوله مسمى ولا بد من توصيف الأجل بكون مسمى ليعلم أن من حقه أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام فلو قال : إلى الحصاد أو الدراس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية قال الإمام : أمر اللّه تعالى في المداينة بأمرين : أحدهما الكتبة بقوله :فَاكْتُبُوهُوالثاني الاستشهاد بقوله :وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ[ البقرة : 282 ] وفائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل وتتأخر فيه المطالبة يتخلله النسيان ويدخله الجحد فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد تحرز من طلب الزيادة ومن تقديم المطالبة على حلول الأجل ، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك تحرز من الجحود وأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال ليتمكن من أدائه وقت حلول الأجل فلما حصل في الكتبة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر اللّه تعالى به . ثم إن جمهور الفقهاء المجتهدين ذهبوا إلى أن الأمر ههنا محمول على الندب وقالوا : إنّا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد وذلك إجماع على عدم وجوبهما . ثم إنه تعالى لما أمر بكتبة هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين : الشرط الأول أن يكون الكاتب عدلا وهو قوله تعالى :وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِوالشرط الثاني قوله :وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ[ البقرة : 282 ] وقول المصنف :
« من يكتب بالسوية » إشارة إلى أن قوله :بِالْعَدْلِمتعلق « بكاتب » صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالسوية أي بالعدل والاحتياط لا يزيل على ما يجب أن يكتب ولا ينقص ويكتب بحيث لا يخص أحد العاقدين بالاحتياط دون الآخر بل يكتب بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من إبطال حقه ويتحرز عن الألفاظ المجملة المتنازع في المراد بها .
فهو أمر للمتداينين باختيار الكاتب الفقيه العالم بالشروط ليكون مكتوبه معدلا بالشرع حاملا للاحتجاج وقت الحاجة . وظاهر قوله تعالى :وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْيدل على أنه يحرم على كل كاتب أن يمتنع عن الكتبة وأنه يجب الكتبة على كل من كان كاتبا . وأشار المصنف بقوله : « ولا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب مثل ما علمه اللّه تعالى » إلى أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه اللّه تعالى على معنى أن الكاتب على تقدير أن يكتب فالواجب عليه أن يكتب كما علمه اللّه تعالى ، وأن لا يخل بشرط من الشرائط ، وأن لا يدرج فيه قيدا يخل بالمقصود لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشرائط اختل ما هو المقصود من الكتبة وضاع مال صاحب الحق . فكأنه قيل للكاتب : إن كنت