تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 678

مساهمون:

ص٦٧٨
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ
أي إذا داين بعضكم بعضا تقول : داينته إذا عاملته نسيئة معطيا أو آخذا .
شرح
قوله : ( إذا عاملته نسيئة ) أي بما فيه دين من أحد الجانبين سواء كان معطيا إياه عينا أو آخذا منه عينا كما تقول : بايعته إذا بعت منه شيئا أو باع منك شيئا فلا يرد أن يقال المداينة مفاعلة وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين وذلك بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق ، وذلك لأن المداينة بمعنى المعاملة بما فيه دين لا تقتضي مقابلة الدين بالدين . واعلم أن البياعات على أربعة أوجه : أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة ، والثاني بيع الدين بالدين وهو باطل فلا يدخل تحت الآية . فبقي قسمان وهما : بيع العين بالدين وهو بيع الشيء بالثمن مؤجلا ، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهما داخلان تحت هذه الآية على قول أكثر المفسرين . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إنما نزلت في السلم لأنه عليه الصلاة والسّلام قدم المدينة وهم يسلفون بالثمار السنتين والثلاث . وقال عليه الصلاة والسّلام : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » . ونقل الإمام عن أهل اللغة : أن القرض غير الدين لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم أو دنانير أو حبا أو تمرا أو ما أشبه ذلك ولا يجوز فيه الأجل ويقال : من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل ودان يدين إذا أقرض ، وأدان إذا استقرض . ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما حثّ على الإنفاق في سبيل اللّه تعالى وهدد على أخذ الربا وأكله بالغ الآن في الوصاية لحفظ المال الحلال والاحتياط في أمره لكونه سببا لمصالح المعاش والمعاد . وقال القفال : ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار . لكن في هذه الآية بسط شديد ألا يرى أنه قال أولا :إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[ البقرة : 282 ] ثم قال ثانيا :وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِثم قال ثالثا :وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ[ البقرة : 282 ] وكان هذا كالتكرير لقوله :وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِلأن العدل هو ما علمه اللّه تعالى ثم قال رابعا :فَلْيَكْتُبْوهذا إعادة للأمر الأول . ثم قال خامسا :وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ[ البقرة : 282 ] لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه . ثم قال سادساوَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ[ البقرة : 282 ] وهذا تأكيد . ثم قال سابعا :وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً[ البقرة : 282 ] وهذا كالمستفاد من قوله :وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُثم قال ثامناوَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ[ البقرة : 282 ] وهو أيضا تأكيد لما مضى . ثم قال تاسعا :ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا[ البقرة : 282 ] وكل ذلك ليس إلا لأجل المبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل اللّه تعالى والإعراض عن مساخط اللّه تعالى من
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 678 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين