مَشْرَبَهُمْ
عينهم التي يشربون منها .
كُلُوا وَاشْرَبُوا
على تقدير القول .
مِنْ رِزْقِ اللَّهِ
يريد به ما رزقهم اللّه من المن والسلوى وماء العيون . وقيل : الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل ما ينبت به .
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
( 60 ) ولا تعتدوا حال إفسادكم وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدي بفعله . ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر عليه السّلام الغلام وخرقه
شرح
شربهم من العين لا يخالطهم فيها غيرهم . قوله : ( مشربهم ) مفعول قوله : « علم » بمعنى عرف والمشرب موضع الشرب . قوله : ( على تقدير القول ) يعني أن كل واحدة من الجملتين في محل النصب على أنه مقول قول مضمر تقديره فقلنا لهم ، أو قال موسى لهم : كلوا من المن والسلوى الذين رزقكم اللّه تعالى إياهما بلا تعب واشربوا من هذا الماء الذي نبع وسال من هذا الحجر على أن يكون الرزق بمعنى المرزوق المتناول للمأكول والمشروب فيكون كل واحد من الأكل والشرب مبتدأ من الرزق المتناول لهما .
قوله : ( الماء وحده ) يعني أنه قيل : أراد اللّه تعالى بالرزق الماء وحده وجعل كل واحد من الأكل والشرب مبتدأ من الماء بناء على أنه مشروب بنفسه ومأكول بالنظر إلى ما ينبت به ، والذي حمله على تخصيص الرزق بالماء وحده أنه لم يجد قرينة تدل على كون المأكول أيضا مرادا منه إذ لم يتعرض له في هذه القصة . فإن قصة تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ذكرت قبل قصة الاستسقاء وقصة الأمر بدخول القرية ، ثم ذكر عقيب قصة التظليل والإنزال قوله :كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْفلو حمل الرزق ههنا على ما يتناول المن والسلوى لتكرر الأمر بأكلهما ، فلذلك حمل على الماء وحده ، وجعل كل واحد من الأكل والشرب مبتدأ من الماء بناء على أنه مشروب بنفسه ومأكول بالنظر إلى ما ينبت به . ولم يرض المصنف بهذا التخصيص أما أولا فلأنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء وثماره ، وأما ثانيا فلأنه جمع بين الحقيقة والمجاز بناء على أن الرزق أريد به الماء ثم جعل مشروبا باعتبار نفسه ومأكولا باعتبار ما ينبت به . ولفظ الماء حقيقة في المشروب ومجاز فيما ينبت به فيلزم أن قوله كلوا واشربوا من الرزق الذي هو الماء جمعا بين الحقيقة والمجاز .
قوله : ( ولا تعتدوا حال إفسادكم ) يعني أن قوله تعالى :مُفْسِدِينَحال مقيدة من فاعللا تَعْثَوْاولما كان تقييد قوله :وَلا تَعْثَوْابقوله :مُفْسِدِينَتقييدا للشيء بنفسه بحسب الظاهر لكونه بمنزلة أن يقال : لا تفسدوا في الأرض مفسدين بناء على أن العثو هو الإفساد ، بيّن المصنف وجه تقييد العثو بالحال بقوله : « وإنما قيده به » يعني أن العثو وإن غلب في الفساد إلا أن المراد به في الآية ما هو أعم من الفساد ليكون تقييده بالحال تقييد العام بالخاص . وذلك المعنى الأعم المتناول للفساد وغيره هو فعل ما لا يكون على صورة