السفينة ، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حسّا . ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله باللّه وقلّة تدبّره في عجائب صنعه ، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر الخلّ ويجذب الحديد لم يمتنع أن يخلق اللّه حجرا يسخّره لجذب الماء من تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك .
شرح
الصلاح في المحل سواء كان فسادا في نفس الأمر كفعل الظالم المعتدي أو لم يكن كمجازاة المعتدي بمثل فعله ، فإن تلك المجازاة وإن كانت على صورة الفساد بالنظر إلى المعتدي إلا أنه عدل نظرا إلى فعله وصلاح في حق من عداه بل في حقه أيضا حيث كانت زاجرة له عن المعاودة إلى مثل ذلك الفعل الردي . وقد يكون العثو فسادا محضا في حق المحل إلا أنه يتضمن صلاحا راجحا على ذلك الفساد كما ذكره من المثالين . ولما كان العثو أعم من الفساد لتناوله نحو القصاص في الأنفس والأطراف والحدود الزواجر والضرب الواقع للتأديب وعلاج المجانين ولا وجه للنهي عن شيء منها قيد قوله :لا تَعْثَوْابقوله :مُفْسِدِينَوجعل العثو المنهي عنه ما يقصد به الإفساد . قوله : ( ويقرب منه العيث ) يعني أن ههنا لغتين : عثى يعثي عثيا من باب علم وعثا يعثو عثوا من باب دخل ، وكلاهما معتل اللام .
وقد مر أن كل واحد منهما أعم من الفساد المحض لكونه عبارة عن الفعل الذي لا يكون على صورة الصلاح في المحل سواء كان فسادا في نفس الأمر أولا كالقصاص والحدود والعقوبات الواقعة للتأديب . وههنا لغة ثالثة وهي عاث يعيث عيثا مثل باع يبيع بيعا . وبيّن المصنف أن العيث والعثي متقاربان نحو جذب وجبذ غير أن العيث أكثر ما يقال فيما يدرك حسا بخلاف العثي والعثو فإنهما قد يقالان فيما لا يدرك حسا كإفساد العقائد . قوله : ( ومن أنكر أمثال هذه المعجزات ) وهي أن تنفجر من حجر صغير يعادل رأس إنسان أو أكثر منه قليلا اثنتا عشرة عينا وتسيل كل عين إلى جماعة كثيرة يبلغ عددهم خمسين ألفا أو أكثر ويكفيهم لشربهم وسقي مواشيهم ، وأن تنقلب العصا اليابسة ثعبانا يبتلع جميع ما ألقته السحرة من الحبال والعصي ، وأن يفر الحجر الجامد بثوب موسى عليه السّلام بحيث أعجز موسى عن أن يدركه . وغير ذلك من الآيات التسع وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فإن بعض الطبيعيين من الفلاسفة أنكروها واستبعدوها وقالوا : كيف يعقل خروج المياه الكبيرة من الحجر الصغير ؟ فمن اعتقد بوجود الفاعل المختار القادر على ما يشاء فأمثال هذه الشبهة لا يخطر بباله ومن لم يعتقد بوجوده واستولى عليه ظلمة الجهل والغباوة فهو بمعزل عن الاعتقاد بحقية القرآن وأمر الرسالة ، فضلا عن أن يعتقد بحقية ما أخبر به القرآن من معجزات الأنبياء عليهم السّلام . وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة اللّه تعالى في تغيير الطبائع