التيه .
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً
واسعا . ونصبه على المصدر أو الحال من
شرح
على ما فعل من المعصية والعزم على ترك المخالفة ، وعبّر عنها بما يدل عليها من الخضوع بالجوارح والاستغفار باللسان حيث أمرهم بدخول الباب منحنين متواضعين قائلين : مسئلتنا حط ذنوبنا ومغفرة خطايانا المتوفقان على الندم والعزم المذكورين اللذين هما فعل القلب ، وقيل : إنهم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع بالجوارح وأن يذكروا بألسنتهم طلب حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان . نقل الإمام الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا : لما خرج بنو إسرائيل من التيه قال اللّه تعالى لهم :ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هي أريحا . وقال قتادة والسدي والربيع : هي بيت المقدس . فلا يكون أمر اللّه تعالى إياهم بأن يدخلوا القرية على لسان موسى عليه السّلام لما ذكره المصنف في تفسير سورة الأعراف من أن أكثر المفسرين على أن موسى وهارون كانا مع بني إسرائيل في التيه وكان احتباسهما فيه روحا لهما وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم ، وأنهما ماتا فيه مات هارون أولا وموسى عليه السّلام بعده بسنة ، ثم دخل يوشع أريحا بعد ثلاثة أشهر . فلما لم يخرج موسى من التيه لم يكن أمر اللّه تعالى إياهم بأن يدخلوا القرية على لسان موسى عليه السّلام ، كيف وقد ذكر المفسرون أن أمر اللّه تعالى إياهم بذلك كأن بعدما خرج بنو إسرائيل من التيه ولم يخرج موسى عليه السّلام منه بل كان على لسان يوشع بن نون وكان خليفة موسى عليه السّلام ، فأمر اللّه تعالى يوشع بعد وفاة موسى وهارون عليهما السّلام في التيه وبعد خروج بني إسرائيل من التيه بعد مضي أربعين سنة أن يدخل هو مع قومه المدينة . وأريحا بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الياء وبالحاء المهملة ، وقيل : بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الياء على وزن أصفيا ، وهي قريبة من بيت المقدس وهي قرية الجبارين وهم قوم من بقايا عاد يقال لهم العمالقة ورئيسهم عوج بن عنق . وقد مرّ نقلا عن الصحاح أن العمالقة قوم من أولاد عمليق بن لاود بن ارم بن سام بن نوح عليه السّلام وهم أمم تفرقوا في البلاد . وقيل : إن تلك القرية التي أمروا بالدخول فيها والمقام بها هي بيت المقدس استدلالا بقوله تعالى في سورة المائدة :ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[ المائدة : 21 ] ولا شك أن الموضع الذي أمروا بالدخول فيه في الآيتين واحد وقوله : « واسعا » إشارة إلى أن الرغد صفة مشبهة كحسن من رغد عيشهم فهو رغيد ورغد أي طيب واسع ، وأرغد القوم أي اخصبوا ، وانتصابه على أنه نعت مصدر محذوف أي آكلا رغدا ، أو على أنه حال من فاعل كلوا أي كلوا راغدين متوسعين رافهين .