تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ثيابهم لا تتّسخ ولا تبلى .
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
على إرادة القول .
وَما ظَلَمُونا
فيه اختصار وأصله فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا .
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 57 ) بالكفران لأنه لا يتخطاهم ضرره .
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ
يعني بيت المقدس . وقيل : أريحا أمروا به بعد
شرح
هو ما وعده اللّه تعالى لنا في الجنة من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود والنور المبسوط والتنعم بلحم الطير وكل ما أرادوا من الثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ ونحو ذلك مما خصوا به في الدنيا ، وذلك كله مما وعد لنا في الجنة وكان لهم ذلك في الدنيا معاينة ومع هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا ولا تثبتوا على ما عهدوا وذلك لقلة أفهامهم ونشأتهم على أخلاق البهائم والدواب . قوله : ( على إرادة القول ) وإضماره أي وقلنا لهم كلوا والطيب الحلال فإنه لحله كان طيبا كما أن الحرام لحرمته كان خبيثا . وأصل الطيب الطاهر وسمي الحلال طيبا لأنه لم يتدنس بكونه حراما . وقيل : الطيب من المباح هو الذي يستطيبه الطبع وتتلذذ به النفس وما لم تتلذذ به النفس ولم يستطبه الطبع لا يسمى طيبا وإن كان حلالا مباحا . قوله : ( وأصله فظلموا ) أي فظلمتم عقيب ما أنعمنا عليكم بهذه النعم التي هي نعمة البعث والتظليل بالغمام وإنزال المن والسلوى وإباحتها لكم بأن قلنا لكمكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْبأن كفرتم ووضعتم الكفران موضع الشكران . وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه وأوثر طريق الخطاب في مقام تعداد النعم لأنه أدخل في تذكيرها والامتنان بها والبعث على شكرها . ثم التفت إلى طريق الغيبة لأن الإعراض عنهم وتوجيه الكلام إلى مخاطب آخر أدخل في التوبيخ والإبعاد ، وقدم مفعول « يظلمون » إيذانا باختصاص الظلم بهم وأنه لا يتعداهم ، وأدخلت كلمة « كان » إشعارا بأن ذلك شأنهم القديم وعادتهم المستمرة ، و « يظلمون » وإن كان مضارعا صورة لكنه ماض من حيث المعنى . قوله : ( وإذ قلنا ) أي واذكروا ما حدث من نعمتي عليكم إذ قلت ادخلوا هذه القرية أي وهي نعمة ثامنة وهي مع اشتمالها على سعة العيش لقوله تعالى :فَكُلُوا مِنْهاأي مما فيها من النعم الكثيرة كانت القرية بسبب كثرة النعم فيها كأنها نفس النعم فلذلك قيل : « منها » بدل من « نعمها » ، وكلمة « من » في قوله تعالى :فَكُلُوا مِنْهاللتبعيض أو لابتداء الغاية . وتتضمن أيضا نعمة متعلقة بالدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبيّن لهم طريق الخلاص مما استحقوه من العقوبة بسبب إبائهم على موسى عليه السّلام دخول الأرض التي فيها الجبارون ، فأراد اللّه تعالى أن يغفر لهم فأمرهم بالتوبة التي هي الندم