محال ، بل الممكن أن يري رؤية منزّهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين في الآخرة والأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا . قيل : جاءت نار من السماء فأحرقتهم . وقيل :
صيحة . وقيل : جنود سمعوا بحسيسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة .
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
( 55 ) ما أصابكم بنفسه أو بأثره .
شرح
برؤية اللّه تعالى عيانا وأن يخبرهم بأنه هو اللّه الذي لا إله إلا هو وأنه الذي أرسل إليهم موسى ليرشدهم إلى الصراط المستقيم والشرع القويم ، وأنه أنزل إليه التوراة ليحكم بما فيه ويأمرهم هم باتباعه والعمل بما فيه . إلا أن هذا التعلق منهم لما وقع بعد ظهور واضح المعجزات الباهرة الدالة على صدق موسى في جميع ما أخبر به كان ذلك سؤال تعنت وطلبا للدليل الزائد على ما قام وكفى في إثبات المطلوب فأوجب أن ينزل العذاب عليهم لأن العنت يستوجب العقاب فلذلك .
قال تعالى :فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُأي لفرط العناد والتعنت فإن كفرهم وكونهم معاقبين بالصاعقة ليس من حيث إن رؤيته تعالى مستحيل مطلقا ، وإنهم طلبوا ذلك المستحيل كما ذهب إليه المعتزلة ، بل إنما أخذتهم الصاعقة لأنهم لم يسألوا ما سألوه على وجه الاسترشاد والاهتداء للحق وإنما سألوه سؤال تعنت وعناد . لأنه لما تمت الدلائل الدالة على صدق مدعي الرسالة كان طلب الدليل الزائد عليها تعنتا وعنادا فلذلك استوجبوا العذاب . قوله : ( قيل جاءت نار ) حمل الصاعقة على ما يصعقون أي يموتون بسببه . ثم بيّن اختلاف المفسرين في أن ذلك السبب ما هو ؟ فقيل : هو نار وقعت من السماء فأحرقتهم . وقيل : صيحة جاءت من السماء . وقيل : أرسل اللّه تعالى جنودا فلما سمعوا حسيسها وهو الصوت الخفي خروا صعقين ميتين يوما وليلة . ورجح الزمخشري كون ذلك السبب هو النار الواقعة من السماء حيث قال : والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله تعالى :وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَلأن الصيحة وحسيس الجنود يتعلقان بحاسة السمع ولا ينظر إليهما ولا يبصران .
قوله : ( وأنتم تنظرون ما أصابكم بنفسه أو بأثره ) الأول على تقدير كون الصاعقة التي أصابتهم هي النار فإنها تشاهد بنفسها ، والثاني على تقدير كونها غير النار فالصيحة والحسيس لا يبصران بأنفسهما بل بأثرهما وهو الموت . وهو أيضا وإن لم يكن مبصرا بنفسه حقيقة فإن المرئي حقيقة هو من أصابه الموت إلا أنه جعل رؤيته عند إصابة الموت به بمنزلة رؤية نفس الموت ولذلك قيل : وأنتم تنظرون موت بعضكم عقيب بعض . وقيد أخذ الصاعقة لهم بقوله :وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَتنبيها على عظم العقوبة فإن ورودها وهم يشاهدونها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون .