لقوله :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
والمعنى لا يؤاخذكم اللّه بعقوبة ولا كفارة بما لا قصد معه ولكن يؤاخذكم بهما أو بأحدهما بما قصدتم من الإيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم . وقال أبو حنيفة : اللغو أن يحلف الرجل بناء على ظنّه الكاذب .
والمعنى لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الإيمان ولكن يعاقبكم بما تعمّدتم الكذب فيها .
شرح
أن يحلف في حق أمر قد مضى على أنه قد وقع أو لم يقع معتقدا ذلك ثم بان أن الأمر على خلاف ما حلف هو عليه وأنه قد كان في حلفه خاطئا وغالطا . وفائدة هذا الخلاف أن الإمام الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل : « لا واللّه » و « بلى واللّه » بدون قصد اليمين ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن . وأبو حنيفة يحكم بخلاف هذا ولو حلف في حق شخص على أنه زيد وهو يعلم أنه ليس بزيد أو حلف في حق أمر مضى على أنه كذا وليس كذا وهو يعلم أن الأمر على خلاف ما حلف عليه فهي يمين غموس مؤاخذ عليها بالعقوبة في الآخرة ، ولا كفارة فيها عندنا لأن الكفارة إنما تجب بالحنث في اليمين المنعقدة وهي الحلف على فعل أمر أو تركه في المستقبل ولا تنعقد اليمين على أمر ماض أو حال لأن اليمين في اللغة عبارة عن القوة . قال الشاعر :إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمينأي بالقوة . وسمى القوة يمينا لتقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب الحلف .
والتقوية بالحلف إنما تعقل إذا وقع الحلف على الفعل المستقبل وإذا وقع على الفعل الحال أو الماضي لا يفيد التقوية البتة فيكون خاليا عن الفائدة المطلوبة منه فلا ينعقد ما وقع على الماضي فلا يوجب الكفارة إلا أنه يوجب الإثم والعقوبة إذا تعمد الكذب وافتراه ووكده باليمين .
قوله : ( لقوله :وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) استدلال على قوله : « ولغو اليمين ما لا عقد معه » ووجه الاستدلال أنه تعالى قابل اليمين اللغو باليمين التي كسبتها القلوب ، وكسب القلوب ليس إلا العزم والعقد والقصد . ولما استدرك بما فيه قصد القلوب دل ذلك على أن ما قبله ما لا قصد فيه لا ما فسره به الحنفية من أن اللغو هو الحلف على الماضي بناء على الظن الغير المطابق فإنه من الأيمان المكتسبة وغير مقابل لها . وعلى أي تفسير فسر به لغو اليمين يكون قوله تعالى :بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْمتناولا للغموس والمنعقدة فيؤاخذ الحالف بسبب كل واحدة منهما ؛ ففي الغموس يؤاخذ بالعقوبة الأخروية والكفارة الدنيوية عند الإمام الشافعي استدلالا بهذه الآية فإنه تعالى ذكر المؤاخذة ههنا ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي وبيّنها في آية المائدة بقوله :وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ[ المائدة : 89 ] الآية فبيّن أن المؤاخذة هي الكفارة فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من