الأبدية والبهجة السرمديّة
فَتابَ عَلَيْكُمْ
متعلق بمحذوف إن جعلته من كلام موسى عليه السّلام لهم ، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم . وعطف على محذوف إن جعلته خطابا من اللّه تعالى لهم على طريق الالتفات ، كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم وذكر البارىء وترتيب الأمر عليه إشعار بأنّهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقرة التي هي مثل في الغباوة ، وأن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن يستردّ منه ولذلك أمروا بالقتل وفكّ التركيب .
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 54 ) الذي يكثر توفيق التوبة أو قبولها من المذنبين ويبالغ في الإنعام عليهم .
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ
لأجل قولك ، أو لن نقرّ لك
حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
عيانا . وهي في الأصل مصدر قولك : جهرت بالقراءة استعيرت للمعاينة ونصبها
شرح
قوله : ( فتاب عليكم متعلق بمحذوف الخ ) ذكر للفاء معنيين أحدهما أنها للسببية وقعت جزاء لشرط محذوف ، وثانيهما أنها عاطفة على محذوف أي ففعلتم فتاب عليكم ويكون خطابا من اللّه تعالى لهم على طريقة الالتفات . قال التفتازاني : من الغيبة إلى الخطاب حيث عبر عنهم بطريق الغيبة بلفظ « قومه » ، قال : وهذا مع وضوحه قد خفي على كثيرين حتى توهموا أن المراد الالتفات من التكلم إلى الغيبة في « فتاب » حيث لم يقل « فتيب » انتهى .
وعلى الوجهين تسمى الفاء الفاء الفصيحة وهي الفاء التي تدل على أن ما بعدها متعلق بمحذوف هو سبب لما بعدها .
قوله : ( الذي يكثر توفيق التوبة الخ ) أصل معنى التواب الرجاع فهو في العبد الروع عن الذنب وفي اللّه الرجوع بلطفه إلى العبد وتوفيقه لذلك والإحسان بقبوله . والكثرة مأخوذة من المبالغة وقوله : « ويبالغ في الإنعام » الخ هو معنى الرحيم وقوله : « توفيق التوبة » الإضافة لامية أو هو من قبيل مكر الليل .
قوله : ( لأجل قولك ، أو لن نقرّ لك ) لما كان الإيمان يتعدى بنفسه أو بالباء كما مر لا باللام وجهه بأن اللام ليست للتعدية بل تعليلية أو صلة له بتضمينه معنى الإقرار لأنه يتعدى للمقر به بالباء وللمقر له باللام فلا يرد عليه ما قيل ، الأولى أن يقول : لن نذعن لك إذ المتعدي باللام هو الإذعان ، وأما الإقرار فتعديته بالباء فلا بد من تأويله بالإذعان .
قوله : ( وهي في الأصل مصدر قولك : جهرت الخ ) ظاهره أنه حقيقة في رفع الصوت تجوز به عن العلانية بجامع الظهور فيهما . وقال الراغب رحمه اللّه : إنه يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع . أما للبصر فنحو : رأيته جهاراأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً