الإنشاء كقولهم : برأ اللّه آدم من الطين . أو فتوبوا .
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
إتماما لتوبتكم بالبخع أو قطع الشهوات كما قيل : من لم يعذّب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها . وقيل : أمروا أن يقتل بعضهم بعضا . وقيل : أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة . روي أن الرجل كان يرى بعضه وقريبه فلم يقدر على المضيّ لأمر اللّه فأرسل اللّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون ، فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون فكشفت السحابة ونزلت التوبة وكانت القتلى سبعين ألفا . والفاء الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب .
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ
من حيث إنه طهرة من الشرك ووصلة إلى الحياة
شرح
لكن ملايمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة كقوله :أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ[ طه : 50 ] انتهى . فالتمييز بين الأعضاء بعضها من بعض فمن قال : إن قوله : « مميزا بعضها » في أكثر النسخ لا يخفى ما فيه والأولى ما في بعض النسخ « بعضكم » لم يأت بشيء وإنما قال لقومه مع قوله : « يا قوم » لدفع احتمال أن يكون ناداهم بذلك استعطافا لهم وإن كانوا أجانب ، وظلمهم أنفسهم بتنقيص ما لهم عند اللّه وضررهم . وأصل التركيب للخلوص ويلزمه التميز المذكور وقوله : « أو فتوبوا » الخ إشارة إلى الوجه الآخر وقوله : « بالبخع » بالموحدة التحتية والخاء المعجمة والعين المهملة وهو قتل الإنسان نفسه . وفي الأساس بخع الشاة بلغ بذبحها القفا ، ومن المجاز بخعه الوجد إذا بلغ منه المجهود وعلى هذا فالقتل حقيقة .
والمراد أن يقتل كل أحد نفسه وقتل الإنسان نفسه وإن كان ليس جائزا في شرعنا لنهينا عنه فإنه إذا كان بأمره لآخرين لا مانع منه . وعلى الأخير بعضهم يقتل بعضا وعلى ما بعده مجاز وهو ظاهر . لكن قال بعضهم : إنه تفسير لبعض أرباب الخواطر ولا يجوز أن يفسر به هنا لأن المراد هنا القتل الحقيقي بالاتفاق ، والعبدة كالكتبة جمع عابد . قوله : ( روي أن الرجل الخ ) المراد ببعضه ولده وولد ولده لأنه كالجزء منه وقريبه بالباء الموحدة ظاهر . وفي نسخة « قرينه » بالنون أي صديقه وقوله : « فلم يقدر المضي » أي عليه . والضبابة شبه السحابة « ولا تتباصرون » من البصر بمعنى الرؤية و « نزلت التوبة » أي أوحي إليه بقبولها . قوله : ( للتسبيب الخ ) في الكشاف : الفاء الأولى للسببية لا غير . قال الطيبي : يعني الفاء للتسبيب لا للعطف التعقيبي كقولهم : الذي يطير الذباب فيغضب عمرو . وقال العلامة : منهم من تخيل من قوله :
« لا غير » أنها ليست للعطف وليس كذلك بل هي لهما معا والمعطوف عليه « أنكم ظلمتم » الخ . وكان المصنف تركه لهذا . وقيل : إن المانع من العطف لزوم عطف الإنشاء على الخبر وكون الثانية للتعقيب مر وجهه .