و « حتى » للتعليل كقولك : أعبد اللّه حتى أدخل الجنة .
إِنِ اسْتَطاعُوا
وهو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بقوّته على قرنه : إن ظفرت بي فلا تبق عليّ . وإيذان بأنهم لا يردّونهم .
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ
شرح
الرد فقال :وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِالآية . قوله : ( وحتى للتعليل ) فإن « حتى » قد تكون للغاية واستدل على كونها للتعليل بقوله تعالى :إِنِ اسْتَطاعُوامن حيث إنه تعالى أورد كلمة « إن » في مقام الجزم بعدم وقوع استطاعتهم على رد المؤمنين عن دينهم للإشارة إلى أن ذلك طمع فارغ بعيد كل البعد بناء على عداوة الكفار إياهم والعلة الحاملة على الفعل تكون معلولا مترتبا على الفعل بحسب الوجود وما يستبعد وقوعه لا يصلح حاملا عليه . فظهر بهذا التقرير أن قوله :إِنِ اسْتَطاعُوايستدعي أن يحمل حتى على التعليل لا على الغاية لأن الحمل عليها إنما يحسن فيما لا يكون ترتبه على الفعل بعيدا . والقرن بالكسر من يقارن الرجل ويقابله حال المحاربة مماثلا له في الشجاعة . قوله : ( لا تبق عليّ ) أي لا ترحمني .
وفي الصحاح : أبقيت على فلان إذا رعيت عليه ورحمته ، يقال : لا أبقى اللّه عليك إن أبقيت عليّ . والحبوط أصله الفساد . قال أهل اللغة : أصل الحبط أن تأكل الإبل نبتا يضرها فتعظم بطونها فتهلك وسمي بطلان العمل بطريان ما يفسده عليه حبطا تشبها له بهلاك الإبل بتناول ما يضرها ، وطريان الردة على الإسلام يبطل على المرتد ما يترتب على الإسلام في الدنيا والآخرة . أما إحباط الأعمال في الدنيا فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصرا ولا ثناء حسنا وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين ، وأما إحباط أعمالهم في الآخرة فهو أن هذه الردة تبطل استحقاقهم الثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة . وليس المراد من إحباط العمل إبطال نفس العمل لأن الأعمال إعراض كما توجد تفنى وتزول وإعدام المعدوم محال بل المراد به ما ذكر من أن الردة الحادثة تزيل ثواب الإيمان السابق وثواب ما سبق من ثمراته . وظاهر الآية يقتضي أن تكون الوفاة على الردة شرطا لثبوت الأحكام المذكورة وهي حبوط الأعمال في الدنيا والآخرة وكون صاحبها من أصحاب النار خالدا فيها وأن لا يثبت شيء من هذه الأحكام إن أسلم المرتد بعد ردته . ولهذا احتج الإمام الشافعي بهذه الآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت صاحبها عليها ، وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط الأعمال مطلقا وإن رجع رجع مسلما تمسكا بعموم قوله تعالى :وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[ الأنعام : 88 ] وقوله :وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ[ المائدة : 5 ] ويتفرع عليه مسألتان : الأولى أن جماعة من المتكلمين قالوا : شرط صحة الإيمان والكفر حصول الوفاة عليهما فلا يكون الإيمان إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه ، وأيضا لا يكون الكفر كفرا إلا إذا مات الكافر عليه ،