ويفسده لأن النهي في العبادات يوجب الفساد .
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
أي الأحكام التي ذكرت
فَلا تَقْرَبُوها
نهى أن يقرب الحدّ الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل فضلا عن أن يتخطى عنه ، كما قال عليه الصلاة والسّلام : « إنّ لكل ملك حمى وإن حمى اللّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » . وهو أبلغ من قوله : فلا تعتدوها .
شرح
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو معتكف وأما إذا لمسها بشهوة أو قبلها أو باشرها فيما دون الفرج فهو حرام على المعتكف اتفاقا . وهل يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي فيه قولان : الأصح أنه يبطل . وقال أبو حنيفة : لا يفسد الاعتكاف إذا لم ينزل . ثم إنهم اتفقوا على أن الشرط الاعتكاف الجلوس في المسجد استدلالا بقوله تعالى :فِي الْمَساجِدِولفظ المساجد يدل على جواز الاعتكاف في كل مسجد . روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة . وقال حذيفة : يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسّلام : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا » . وقال الزهري : لا يصح إلا في الجامع . وقال أبو حنيفة : لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن . وقال الإمام الشافعي وأحمد : يصح في جميع المساجد إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة .
قوله : ( أي الأحكام التي ذكرت ) من أول آية الصيام إلى هنا . لما أخبر عن اسم الإشارة بقوله :حُدُودُ اللَّهِلم يجز أن تكون الإشارة إلى ما نهي عنه في الاعتكاف بقوله :وَلا تُبَاشِرُوهُنَّلأنه حد واحد فلذلك جعل تلك إشارة إلى جميع ما تضمنته آية الصيام من أولها إلى هنا . وفي الصحاح : الحد الحاجز بين الشيئين وحد النهار منتهاه ، وفلان حديد فلان إذا كان أرضه إلى جنب أرضه ، والحد المنع ومنه قيل : للبواب حداد لمنعه الناس من الدخول إلا بالإذن . جعل ما شرعه اللّه تعالى لعباده من الأحكام حدودا لهم لكونها أمورا حاجزة بين الحق والباطل ولكونها مانعة من مخالفتها والتخطي عنها ، كما يسمى القول الجامع للإفراد المانع من دخول الأغيار حدا لكونه حدا حاجزا بين الأفراد والأغيار ومانعا من دخول الغير فيه . ويقال : الحد جامع ومانع أي جامع لجميع إفراد المحدود صادق عليها ومانع من دخول غير المحدود في المحدود . ومقصود المصنف من قوله : « نهى أن يقرب الحد » الخ الجواب عما يقال : كما لا يجوز أن تكون تلك إشارة إلى قوله :لا تُبَاشِرُوهُنَّالآية لا يجوز أن تكون إشارة إلى جميع ما تضمنته آية الصيام أيضا لأن ما في ضمنها أوامر وإباحات ورخص ، ولا يقال للمأمور به وأخويه لا تقربوها وأيضا قال في أية أخرىتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها[ البقرة : 229 ] وقال في آية المواريثوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ[ النساء : 14 ] وقال ههنا :فَلا تَقْرَبُوهافما وجه الجمع بينهما ؟