روي أن أعرابيّا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت :
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
تقرير للقرب ووعد للداعي بالإجابة .
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهمّاتهم .
وَلْيُؤْمِنُوا بِي
أمر بالثبات والمداومة عليه .
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
( 186 ) راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق .
وقرىء بفتح الشين وكسرها . واعلم أنه تعالى لمّا أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثّهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه . ثم بيّن أحكام الصوم فقال :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
روي أن المسلمين كانوا إذا أمسوا أحلّ لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء أو يرقدوا ، ثم إن عمر رضي اللّه تعالى عنه باشر بعد الصلاة فندم وأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واعتذر إليه ، فقام رجال
شرح
القرب ههنا مستعمل في الحال الشبيهة بحال من قرب مكانه إلى مكان القوم من العلم بأحوالهم وأفعالهم والاستماع لأقوالهم فيكون لفظ قريب استعارة تبعية تمثيلية .
قوله تعالى :( أُجِيبُ )في محل الرفع إما على أنه صفة لقريب وإما على أنه خبر ثان « لأني » لأن قريب خبر أول . وإنما احتيج إلى إضمار القول بعد فاء الجزاء حيث قال : أي فقل لهم إني قريب لأن الترتيب على الشرط المذكور إنما هو تعليم المسؤول عنه للمسؤول كيفية الجواب لا أن يجيب المسؤول عنه من عند نفسه ولا أن يجيب المسؤول كذلك فوجب تقدير القول ليتحقق التعليم . قوله : ( تقرير للقرب ) أي للقرب المجازي المراد في هذا المقام وهو الحالة الشبيهة بالقرب المكاني ، وقد تقرر أن إثبات ما يلائم المستعار له يرشح الاستعارة ويقويها . قوله تعالى :( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي )الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام ، والإيمان عبارة عن صفة القلب وتقديمها على الإيمان يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقديم الطاعات والعبادات . ومعنى الفاء أنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقا فلتكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه .
فما أعظم هذا الكرم ! قال الواحدي : أجاب واستجاب بمعنى واحد كما في قول الشاعر :وداع دعا يا من يجيب إلى النداء * فلم يستجبه عند ذاك مجيبفإن قيل : إنه تعالى قال :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ غافر : 60 ] وقال ههنا :أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِوقال تعالى :أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ[ النمل : 62 ] ثم إنّا نرى الداعي يبالغ في الدعوات والتضرع فلا يجاب . أجيب بأن هذه الآية وإن كانت مطلقة