وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 169 ) كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات . وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسا وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظنّ مستند إلى مدرك شرعيّ فوجوبه قطعي والظن في طريقه كما بيّناه في الكتب الأصوليّة .
شرح
كَفَرُوا[ الملك : 27 ] وقال الشاعر :إن يك هذا الدهر قد ساءني * فطالما قد سرني الدهروسميت المعصية سوءا لأنها تسوء صاحبها أي تحزنه لسوء عاقبتها . والفحشاء مصدر من الفحش كالبأساء من البأس والفحش قبح المنظر ثم توسع فيه حتى صار يعبر عن كل مستقبح معنى كان أو عينا فإطلاق السوء والفحشاء على المعصية من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة مثل : رجل عدل .
قوله تعالى :( وَأَنْ تَقُولُوا )عطف على قوله : « بالسوء » تقديره : وبأن تقولوا وهو أقبح ما أمر به الشيطان من القبائح لأن وصفه بما لا ينبغي أن يوصف به من أعظم أنواع الكبائر كما أن الفحشاء أقبح أنواع السوء على ما قيل . قوله : ( وأما اتباع المجتهد الخ ) إشارة إلى جواب ما يقال إذا دل الدليل على حرمة اتباع الظن رأسا وكونه مما بعث الشيطان عليه ووسوس به فكيف يصح الحكم بغالب الظن في كثير من الأحكام ؟ فإن عامة الأحكام الفقهية مبنية على غلبة الظن فإن المجتهدين يستنبطون أكثر الأحكام بأدلة ظنية وأجمع الأئمة على أنه يجب علينا اتباع ظن المجتهد . وإنما قلنا الأحكام الفقهية مبنية على الظن لأنها تستفاد من الأدلة السمعية وهي إنما تفيد الظن لأن إفادتها للأحكام يقينا تتوقف على العلم بأحوال الرواة وأنهم بلغوا عدد التواتر ، وبانعدام المجاز والحذف والإضمار والاشتراك والنسخ والمعارض وشيء منها غير معلوم . قال المصنف في أصوله المسمى بالمنهاج : المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه الفتوى والعمل به للدليل القاطع على اتباع الظن فالحكم مقطوع في طريقه . انتهى كلامه بعبارته . قوله « الدليل القاطع » وهو إجماع المجتهدين على أن كل مظنون يجب العمل به وأيضا أن الحكم المظنون إما أن يعمل بكل واحد من طرفيه فيلزم الجمع بين النقيضين أو يترك العمل بكل واحد من الطرفين فيلزم رفع النقيضين أو يعمل بالطرف المرجوح فقط وهو خلاف المعقول فتعيّن أن كل مظنون يجب العمل به فنقول في حق الحكم الذي أدى إليه ظن مسند إلى مدرك شرعي إنه حكم مظنون ونجعله صغرى ونضم إليه قولنا : فكل مظنون يجب العمل به لينتج قطعا أن هذا الحكم يجب العمل به . وتمسك نفاة القياس على مذهبهم بقوله تعالى :وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَوالجواب عنه أنه متى قام الدليل على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا بما نعلم لا بما لا نعلم .