تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
كرّر هذا الحكم لتعدد علله فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل : تعظيم الرسول بابتغاء مرضاته ، وجري العادة الإلهية على أن يولّى كل أهل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها ، ودفع حجج المخالفين على ما نبيّنه . وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريبا وتقريرا مع أن القبلة لها شأن ، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى .
شرح
قوله : ( كرر هذا الحكم ) وهو التحويل وتولية الوجه شطر المسجد الحرام ذكر أولا قوله تعالى :قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ[ البقرة : 144 ] وذكر هنا ثانيا قوله تعالى :وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَوثالثا قوله تعالى :وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌوالمصنف بيّن أن التكرير له فائدتان : الأولى أن السفهاء لما قالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وأريد بيان العلل المقتضية للتحويل وكان له ثلاث علل حسن أن يعاد ذكر الحكم عند بيان كل واحدة من تلك العلل ، كما يقال : غرض هذه العلة كذا وغرض هذه العلة كذا ولو قيل : كذا وكذا لتوهم أن العلة مجموع الأمرين . وإذا أعيد ذكر الحكم عند ذكر كل علة ظهر أن كل واحدة منها علة مستقلة له مع قطع النظر عن انضمام الأخرى إليها . العلة الأولى تعظيم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بإجابة دعائه وإعطاء ما يتمناه ويرضاه كأنه قيل : أمرتك بتولية وجهك شطره لأجلك ولأجل إكرامك بتحصيل ما تحبه وتتشوق إليه . والعلة الثانية جريان العادة الإلهية على أن يولي كل أهل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها ، وذكرت هذه العلة بقوله تعالى :وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها[ البقرة : 148 ] أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم اللّه أنها حق وهو مدلول قوله تعالى :وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ[ البقرة : 149 ] والعلة الثالثة دفع حجج المخالفين المذكورين بقوله تعالى :لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌفأعيد الأمر بالتولية عند ذكر كل علة منها تقريبا للمعلول إلى الأذهان وتقريرا له . والفائدة الثانية تأكيد أمر القبلة وتقريره اعتناء بشأنه فإن نسخها أول ما وقع من النسخ في شرعنا والنسخ من مظان الفتنة والشبهة حتى أن اليهود زعموا أن الشرائع والأحكام