تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
ابن مسعود « يعلمون » وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه لتضمين معنى التوقّع . قال أوس بن حجر : شعر
فأرسلته مستيقن الظن أنه * مخالط ما بين الشراسيف جائف
وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم فإن نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقّعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسّلام : « وجعلت قرّة عيني في الصلاة » .
شرح
كفر ، والكفر لا يتصور من الخاشع لأن ذكره على وجه المدح له ولا وجه لمدح الكافر فلا بد أن يكون الظن مستعارا لليقين على تقدير أن يكون المراد بلقاء اللّه تعالى موقف الحساب والجزاء . قوله : ( وكأن الظن لما شاء به العلم ) بيان لوجه استعمال الظن بمعنى اليقين مع أن الظن هو الاعتقاد الراجح الذي يحتمل النقض ، واليقين هو الاعتقاد الراجح الذي لا يحتمل النقض . فإنهما لما تشابها من حيث إن كل واحد منهما اعتقاد الراجح صح أن يستعار كل واحد منهما للآخر بحسب اقتضاء المقام ، فاستعير لفظ الظن ههنا لليقين لكون ملاقاة موقف العرض والجزاء أمرا متيقنا به إلا أنه عبر عن اليقين بلفظ « الظن » للدلالة على أنهم لا يأمنون من ملاقاة موقف الحساب والرجوع إلى جزاء ربهم في كل حال من حيث إن الظن في معنى التوقع . قوله : ( مستيقن الظن ) حال من ضمير المتكلم في قوله : « فأرسلته » فيكون زمان الاستيقان ماضيا كزمان الإرسال إلا أنه عبر عن الاستيقان بلفظ اسم الفاعل « الذي » بمعنى الحال على حكاية الحال الماضية فكانت إضافته لفظية لكونها من إضافة اسم الفاعل إلى معموله وهو الظن المؤذن بمعنى التوقع والاستشهاد في أن الظن فيه بمعنى العلم . والظاهر أن ضمير المفعول في « أرسلته » راجع إلى السهم . والشراسيف جمع شرسوف وهي أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن وقوله : « جائف » أي نافذ إلى الجوف . قوله : ( وإنما لم تثقل عليهم ) أي لم تثقل الأمور المذكورة من الاستعانة بها أو الصلاة أو جملة ما كلف به بنو إسرائيل على الخاشعين لا لقلة مشقتها وثقلها ، فإن مشقة ما أتوا به من الطاعات أكثر مشقة مما أتى به غيرهم لكنهم مع ذلك لما توقعوا في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها لم تثقل هي عليهم حيث فعلوها بأتم رغبة ووفور نشاط . قال الإمام : فإن قيل : إنها إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين وجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشعين أقل من ثوابهم وذلك باطل . قلنا : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع ليلزم كون ثوابهم أكثر ، وكيف يكون كذلك والخاشع يستعمل عند صلاته جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر مع التذلل والخضوع ، وإذا تذكر الوعيد لم يحل من حسرة وغم ، وإذا ذكر