يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
كرّره للتأكيد وتذكيرا للتفضيل الذي هو أجلّ النعم خصوصا ، وربطه بالوعيد الشديد تخويفا لمن غفل عنها وأخلّ بحقوقها .
شرح
الوعد فمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم . وإنما المراد بقوله : « وإنها لثقيلة على من لم يخشع » من حيث إنه لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا يصعب عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع ، وأما الخاشع فإنه لما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل عليه ذلك لما يعتقد في فعلها من الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم . ومثاله أنه إذا قيل للمريض : كل هذا الدواء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل عليه ذلك وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، ومن أجل أن الأمر الصعب الشديد يسهل على من اعتقد فيه نفعا عظيما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حبب إليّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » .
فإنه عليه الصلاة والسّلام كان يعدّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعبا وكان يستريح في الصلاة لما فيها من مناجاة الرب تعالى وكان يكثرها حتى تتورم قدماه . وقرة العين برودتها كنى بها ههنا عن السرور والفرح .
قوله : ( كرره للتأكيد ) وذلك لأن الخطاب في الموضعين متوجه إلى الأولاد الموجودين في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن المراد بالنعمة المذكورة فيها هي النعمة الواصلة إليهم سواء كانت مختصة بهم أو عامة شاملة لجميع البشر ، وأن المقصود من وصفها بقوله :أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْاستمالة قلوبهم وحملهم على أداء شكر تلك النعم الواصلة إليهم وتوبيخهم بنسيان نعم اللّه تعالى وتركهم شكرها . وهذا المقصود يقتضي التعرض لوصولها إليهم مع قطع النظر عن حصولها لغيرهم كما مرّ ، فتكون الفائدة في إعادة الأمر بتذكرها التأكيد مع تخصيص ما هو أجل النعم الواصلة إليهم بالتذكير وهو نعمة تفضيل آبائهم على أهل زمانهم ، فإن فضيلة الآباء نعمة عظيمة في حق الأولاد فقوله : « أجل النعم خصوصا » إشارة إلى أن عطف قوله :وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَعلى قوله :نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْمن قبيل عطف الخاص على العام تنبيها على شرف الخاص . فالمعنى اذكروا نعمتي عليكم وخاصة تفضيلي إياكم على العالمين . قوله : ( وربطه ) بالجر عطف على قوله للتأكيد أي تأكيد ما ذكر قبله وليكون تمهيدا وتوطئة لذكر نعمة تفضيلهم على العالمين ، وربط تذكير النعم المذكورة بالوعيد الشديد المدلول عليه بقوله :وَاتَّقُوا يَوْماًالآية فإن الوعيد بما في ذلك اليوم من الحساب والعذاب أشد من الوعيد المدلول عليه بقوله :وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِوبقوله :وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِوربط تذكير تلك النعم بالوعيد المذكور تخويفا لمن غفل عن تلك النعم وأخلّ